في التاريخ الثوري، ثمة شخصيات تُحفظ لأنها صنعت الأحداث، و أخرى تُحفظ لأنها عاشت إلى جوار صانعيها. لكن ألييدا مارش تنتمي إلى فئة أكثر تعقيدا: امرأة صنعت جزءا من الحدث بنفسها، ثم ارتبط اسمها بأحد أكثر رجال القرن العشرين إثارة للجدل، قبل أن تتحول بعد رحيله إلى واحدة من أهم حارسات ذاكرته و وثائقه.

و لهذا فإن اختزال ألييدا مارش في عبارة ( زوجة تشي غيفارا ) يظلم سيرتها مرتين: مرة لأنها كانت مناضلة قبل أن تلتقيه، و مرة لأنها بعد مقتله لم تكتفِ بدور الأرملة التي تحفظ صور الغائب و ذكرياته، بل انخرطت في مشروع طويل لاستعادة نصوصه و وثائقه و تنظيم أرشيفه و دراسة فكره. و هي نفسها مؤلفة مذكرات ( ذكريات: حياتي إلى جانب تشي )، التي تحولت إلى مصدر أساسي لفهم الوجه الإنساني و العائلي لإرنستو غيفارا بعيدا عن الصورة الأيقونية التي صنعتها الملصقات و الصور الثورية.

لكن أهمية ألييدا لا تكمن في قربها الشخصي من تشي فقط. أهميتها تكمن في أنها تمثل، في مسار الثورة الكوبية، انتقال المرأة من فضاء العمل السري إلى فضاء القتال، ثم من الحياة الخاصة إلى وظيفة الذاكرة العامة.

لقد كانت في البداية شابة من وسط كوبا، تعمل في التعليم و تنخرط في شبكة المقاومة ؛ ثم أصبحت مقاتلة في صفوف العمود الثامن ( سيرو ريدوندو ) ؛ و بعد انتصار الثورة صارت زوجة تشي و أم أطفاله الأربعة ؛ و بعد خروجه إلى مهامه الدولية ثم مقتله في بوليفيا، حملت عبء البيت و الأطفال و الغياب ؛ و أخيرا انصرفت إلى صيانة أرشيف الرجل الذي عاش معها أقل من عقد، لكنه ترك وراءه إرثا سياسيا و فكريا و وثائقيا هائلا.

و من هنا يمكن قراءة حياتها في ثلاث مراحل واضحة

ألييدا قبل تشي غيفارا.

ألييدا مع تشي غيفارا.

ألييدا بعد تشي غيفارا.

و هي ليست مراحل منفصلة بقدر ما هي حلقات في تكوين شخصية واحدة: مقاتلة تشكلت في السرية، و رفيقة سلاح وحياة تشكلت في قلب الثورة، ثم شاهدة و حارسة ذاكرة واجهت مهمة أصعب من حمل السلاح: أن تمنع الإنسان من أن يختفي خلف الأسطورة.

أولا: ألييدا قبل تشي غيفارا

من ريف سانتا كلارا إلى العمل السري

وُلدت ألييدا مارش في عام 1936 في منطقة وسط كوبا، و ترد في المصادر سيرة ميلادها في سانتا كلارا في 19 أكتوبر 1936، بينما تقدم دار ( أوشن سور ) موطنها على أنه مدينة ماناغوا / دولة نيكاراغوا ضمن إقليم لاس فيلاس آنذاك ؛ و هي منطقة جغرافية و اجتماعية تنتمي إلى ذلك الوسط الكوبي الذي ستصبح سانتا كلارا لاحقا أحد رموزه السياسية و العسكرية. درست ألييدا التربية في سانتا كلارا، و كانت في بداياتها معلمة، أي إنها دخلت المجال العام من بوابة التعليم قبل أن تدخل عالم العمل الثوري السري.

و هنا تكمن إحدى النقاط التي كثيرا ما تغيب عندما تُروى قصتها من زاوية علاقتها بتشي غيفارا. فالرواية الأكثر شيوعا تجعل لقاءها به نقطة بداية، بينما الحقيقة التاريخية أن ألييدا كانت قد أصبحت مناضلة قبل أن يصبح تشي زوجها أو حتى قبل أن يكون جزءا من حياتها الخاصة.

في عام 1956 ارتبطت ألييدا بحركة 26 يوليو، و هي الحركة التي قادها فيدل كاسترو و أسست الإطار السياسي و التنظيمي للتمرد ضد نظام الدكتاتور فولخينسيو باتيستا. و توضح سيرتها المنشورة من جانب دار نشر ( أوشن سور ) أنها دخلت الحركة في ذلك العام، ثم أصبحت في العام التالي رسولا للمسؤول عن التنظيم الثوري في مقاطعة لاس فيلاس، و اشتهرت بالجرأة و القدرة على تنفيذ المهام الخطرة.

كانت تلك المرحلة من العمل السياسي مختلفة تماما عن صورة الثورة التي ستظهر لاحقا في الكتب و الصور. لم تكن الحرب آنذاك مجرد معارك في الجبال. كان هناك عالم كامل من الخلايا السرية، و الرسائل، و المال، و الأسلحة، و المخابئ، و الاتصالات بين المدن و الجبال، و نقل الأشخاص المطلوبين، و إخفاء آثار الشبكات التنظيمية. و كان نجاح الثورة يتوقف بقدر كبير على هؤلاء الذين يعملون في المناطق الحضرية و في الظل.

في هذا المجال أدت ألييدا أدوارا متعددة. فقد عملت في العمل، و الدعاية، و التمويل، و الاتصال بين الجبهات، و أصبحت حلقة وصل بين القيادة الموجودة في السهل و القوات المقاتلة في الجبال. و في شهادتها اللاحقة عن تلك الفترة أوضحت أن مهمتها لم تكن وظيفة واحدة ثابتة، و إنما كانت تقوم بما تقتضيه الضرورة، مع تركيز خاص على نقل الرسائل و المعلومات بين المستويات المختلفة من التنظيم.

و لم تكن لاس فيلاس آنذاك هامشا من هامش الحرب. كانت المنطقة الوسطى من الجزيرة ساحة تتزايد فيها أهمية القوات الثورية، إلى أن دخل تشي غيفارا إليها في أواخر عام 1958 على رأس العمود الثامن. و قد كانت مهمته جزءا من الهجوم النهائي الذي سيقود في النهاية إلى معركة سانتا كلارا و سقوط نظام باتيستا.

من المقاومة السرية إلى الخطر المباشر

تكتسب تجربة ألييدا في عام 1958 أهمية خاصة بسبب ما حدث بعد إضراب 9 أبريل. فقد شاركت في مساعدة عناصر الحركة الذين تعرضوا للملاحقة، و في إنقاذ بعض المشاركين في الإضراب و نقلهم و تأمين وصولهم إلى المناطق الجبلية. و تورد مصادر سيرتها أنها شاركت في عمليات حماية و نقل المشاركين في الحركة في مناطق مثل كيمادو دي غينيس و سانتو دومينغو و غيرها من مناطق لاس فيلاس.

كان هذا العمل يحمل خطرا مزدوجا: خطر الاعتقال المباشر، و خطر أن يؤدي اعتقال شخص واحد إلى كشف شبكة كاملة. و لذلك كانت السرية في تلك البيئة ليست مجرد وسيلة تنظيمية، بل شرطا للبقاء.

و في مرحلة لاحقة أصبحت ألييدا محروقة تنظيميا، بالمعنى الذي يستخدمه العمل السري عندما تصبح هوية أحد العناصر معروفة أو شبه معروفة للأجهزة الأمنية، بحيث يستحيل استمرار الشخص في مهمته السابقة. عندها جاء التحول الكبير في حياتها: لم تعد المدينة مكانا آمنا لها، و أصبح انتقالها إلى الجبهة المسلحة هو الخيار العملي. و هكذا لم تنتقل ألييدا إلى الجبل بوصفها زوجة مستقبلية لتشي، و إنما بوصفها مناضلة وصلت إلى مرحلة صار فيها حمل السلاح امتدادا طبيعيا لعملها السري. هذه النقطة أساسية لفهم شخصيتها. فهي لم تكن امرأة التقت قائدا ثوريا ثم وجدت نفسها في الثورة ؛ كانت بالفعل جزءا من الثورة عندما ظهر تشي في مسارها.

ثانيا: ألييدا مع تشي غيفارا

اللقاء في أتون الحرب

كان اللقاء الأول في أواخر نوفمبر 1958، في معسكر قوات تشي في إل بيدريرو في منطقة إسكامبراي. كانت ألييدا قد أرسلتها قيادة حركة 26 يوليو في سانتا كلارا إلى الجبهة حاملة مبلغا كبيرا من المال إلى قائد القوات الثورية. و تذكر شهادتها أنها كانت تؤدي آنذاك دور الاتصال بين القيادة في السهل و القوة المسلحة التي يقودها تشي.

تكتسب تلك الرحلة دلالة خاصة لأنها لم تكن رحلة شخصية. لقد حملت معها 50 ألف بيزو، و كانت المهمة في أصلها مهمة مالية و تنظيمية. و تذكر الروايات المستندة إلى مذكراتها أنها حملت الأموال ملتصقة بجسدها تحت ملابسها، في عملية شديدة الخطورة، قبل أن تصل إلى معسكر تشي.

كانت ألييدا في الرابعة و العشرين تقريبا، بينما كان تشي في الثلاثينيات، و قد حملت ملامحه آثار سنوات الحرب و المرض و الإرهاق. و في شهادتها اللاحقة وصفت الانطباع الذي تركه فيها: رجل بدا أكبر من عمره، و قد انعكس على وجهه التعب و الجوع و آثار المسيرة الطويلة من شرق الجزيرة إلى وسطها، فضلا عن معاناته المزمنة مع الربو.

لكن الأهم من الصورة الرومانسية التي ستتشكل لاحقا هو أن اللقاء حدث في لحظة عسكرية حاسمة. لم يكن المكان غرفة استقبال و لا مناسبة اجتماعية، بل معسكرا حربيا في جبال إسكامبراي، و كانت ألييدا نفسها قد جاءت في مهمة لوجستية. و من هذه الزاوية فإن العلاقة بدأت بين شخصين تجمعهما قبل كل شيء لغة الثورة و العمل.

من رفيقة سلاح إلى رفيقة حياة

سرعان ما تغيرت طبيعة العلاقة. انضمت ألييدا إلى قوات تشي، و أصبحت ضمن العمود الثامن ( سيرو ريدوندو )، و شاركت في الحملة العسكرية التي انتهت بانتصار الثورة. و تشير شهادتها إلى أنها لم تكن تريد أن تختزل في وظيفة سكرتيرة ؛ فقد كانت ترى نفسها مقاتلة شاركت في العمليات إلى جانب الآخرين.

و هذا التفصيل ليس ثانويا، لأن الصورة اللاحقة لألييدا كثيرا ما جعلتها مجرد سكرتيرة تشي أو زوجته. بينما تكشف سيرتها أن علاقتها به قامت على أساس سابق من العمل الثوري المشترك.

في الأسابيع التي أعقبت اللقاء، تطورت علاقة شخصية بين الاثنين في قلب ظروف الحرب. و كان ذلك الحب، في بدايته، حبا لا يملك ترف الانفصال عن السياسة. لم يكن هناك فصل واضح بين الحياة الخاصة و المهمة العسكرية. يمكن أن تبدأ محادثة في معسكر و تنتهي بتكليف، أو يبدأ يوم بالتحضير لمعركة و ينتهي بنقاش شخصي.

ثم جاءت معركة سانتا كلارا في ديسمبر 1958، و هي المعركة التي أصبحت واحدة من أهم لحظات الثورة الكوبية. و فيها واجهت قوات تشي قوات النظام، و تمكنت من السيطرة على المدينة بعد سلسلة من العمليات التي كسرت قدرة الجيش على الدفاع عنها. و كان سقوط سانتا كلارا عاملا حاسما في انهيار نظام باتيستا.

و لذلك، حين يُقال إن ألييدا التقت تشي في أتون معركة سانتا كلارا، فالمعنى التاريخي الأدق هو أن لقاءهما حدث في المرحلة العسكرية التي قادت إلى معركة سانتا كلارا، في إل بيدريرو بإسكامبراي، قبل المعركة الحاسمة في المدينة نفسها. هذه الدقة الزمنية لا تقلل من رمزية اللقاء، بل تزيدها: فقد نشأت العلاقة في اللحظة التي كانت فيها الثورة تنتقل من حرب استنزاف إلى لحظة الحسم.

الزواج بعد النصر: حين دخلت الثورة إلى البيت

مع انتصار الثورة في يناير 1959، انتقلت حياة ألييدا من الجبهة إلى مرحلة جديدة تماما. لم تعد المسألة كيفية النجاة من قوات باتيستا أو نقل الأموال والرسائل. أصبحت الثورة دولة، و أصبح تشي أحد أبرز رجالها.

في يونيو 1959 تزوج تشي ألييدا مارش. و تورد المصادر تاريخ الزواج في الثاني من يونيو، بينما تظهر بعض السجلات تواريخ مختلفة بأيام قليلة ؛ لكن الثابت أنه تم في يونيو 1959 في هافانا، بعد طلاق تشي من هيلدا غاديا.

كان الزواج بداية فصل جديد. فقد أصبح تشي مسؤولا سياسيا و اقتصاديا و عسكريا، و تولى لاحقا رئاسة البنك الوطني ثم وزارة الصناعة، و سافر في مهمات دولية متعددة، بينما أصبحت ألييدا جزءا من الحياة الخاصة التي كانت تمنح ذلك الرجل مساحة بشرية بعيدا عن صورته العامة.

و هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات أهمية في شخصيتها: المرأة التي دخلت الثورة عبر السرية و السلاح أصبحت في الحياة اليومية مسؤولة عن بيت و أسرة في ظل رجل كان يعيش معظم وقته في فضاء السياسة و التاريخ.

لقد أنجب الزوجان أربعة أطفال: ألييدا، و كاميلو، و سيليا، و إرنستو. و تكشف رسائل تشي إلى زوجته و أطفاله أن الأبوة كانت جزءا حقيقيا من حياته، حتى في ظل غيابه المتكرر و مهامه الدولية. و تشير مجموعات رسائله المنشورة إلى وجود مراسلات شخصية مع ألييدا و مع الأطفال من الكونغو ثم بوليفيا.

إدارة البيت: الجانب غير المرئي من الثورة

تبدو عبارة ( إدارة البيت ) لوهلة الأولى بعيدة عن السياسة، لكنها في حالة ألييدا تكشف شيئا جوهريا: الثورات لا تعيش فقط في ساحات القتال أو مكاتب الدولة، بل تحتاج إلى من يدير الحياة اليومية للأشخاص الذين يكرسون أنفسهم للعمل العام.

كانت ألييدا تدير بيتا لا يشبه البيوت العادية. كان زوجها شخصية عامة دائمة الانشغال، ثم شخصية غارقة في مشروع دولي يتجاوز حدود كوبا. و كانت الأسرة تعيش تحت ضغط الشهرة و المسؤولية و الغياب.

لكنها لم تقدم في مذكراتها صورة رومانسية مبالغا فيها عن الحياة إلى جانب تشي. أحد جوانب قيمة ( المذكرات ) أنها تحاول استعادة الرجل اليومي: الأب، و الزوج، و القائد، و الإنسان، لا مجرد الرمز الثوري. و قد وصفت دار النشر الكتاب بأنه محاولة لاستعادة جوانب متعددة من شخصيته الإنسانية و العائلية، مستندة إلى الذكريات و الرسائل و الصور و الوثائق الخاصة.

في هذا البيت، كان الزهد جزءا من أسلوب الحياة. فالترف لم يكن هو اللغة التي عاش بها تشي، و كان الاقتصاد في الاستهلاك و التعامل الصارم مع الذات جزءاً من صورته الشخصية. لكن الأهم أن ألييدا لم تكن مجرد متلقية لهذا النمط، بل عاشت معه تبعاته اليومية.

و هنا يمكن فهم الزهد بوصفه أكثر من مسألة مالية. إنه نمط حياة يفرض على الأسرة التكيف مع رجل يرى أن موقعه في الثورة يلزمه بالانضباط الشخصي. و كانت ألييدا، التي عرفت الحرب قبل الزواج، قادرة على فهم هذا العالم من الداخل، حتى عندما كانت كلفته تقع على الحياة العائلية.

الزوجة التي عاشت مع رجل يتهيأ دائما للرحيل

من أصعب جوانب حياتها مع تشي أن العلاقة لم تكن مستقرة مكانيا. فقد كان الرجل الذي أحبته يحمل في داخله مشروعا ثوريا عابرا للحدود. لم يكن انتصار الثورة الكوبية بالنسبة إليه نهاية الطريق.

في 1965 اختفى تشي من المشهد العام في كوبا، ثم ذهب في مهمة سرية إلى الكونغو، قبل أن يعود إلى كوبا بصورة سرية و يستعد لبوليفيا. و تكشف رسائله إلى ألييدا أن الاتصال بينهما استمر رغم المسافات و الخطر. فثمة رسائل من الكونغو عام 1965، ثم رسائل من بوليفيا عام 1966، و رسائل موجهة إلى أطفاله.

هذه الرسائل مهمة لفهم ألييدا أيضا، لأنها تظهر الجانب الآخر من قرار الرحيل. فالرجل الذي يرى في مغادرة البيت امتدادا لمشروعه الثوري كان يترك خلفه زوجة و أربعة أطفال. و من هنا تبدأ المرحلة التي يمكن تسميتها ( التضحية الصامتة ).

لم تكن ألييدا هي التي تحمل البندقية في بوليفيا، لكنها كانت تحمل نتائج القرار في هافانا. كانت الحرب في مكان بعيد، بينما كانت مسؤولية الأطفال و الحياة اليومية و الانتظار تقع في البيت. إنها صورة مختلفة للتضحية: لا ضجيج فيها، و لا صحافة، و لا انتصارات عسكرية. إنها التضحية التي لا تُرى إلا بعد أن ينتهي كل شيء.

ثالثا: ألييدا بعد تشي غيفارا

من انتظار الرسالة إلى مواجهة الغياب

في 9 أكتوبر 1967 قُتل تشي غيفارا في بوليفيا بعد أسره في اليوم السابق. و كان ذلك الحدث لحظة فاصلة ليس في تاريخ الثورة اللاتينية فحسب، بل في حياة ألييدا و أطفالها أيضا. فالرحيل هذه المرة لم يكن سفرا يمكن أن ينتهي برسالة أو عودة مفاجئة. لقد تحول الغياب إلى حقيقة نهائية.

كان على ألييدا أن تعيد بناء حياتها في ظل صورة زوج أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أكثر صور القرن العشرين شهرة. و هنا تحديدا تبدأ المفارقة الكبرى في حياتها: كلما ازداد تشي حضورا في العالم، ازداد غيابه في بيتها وضوحا. لقد أصبح تشي بعد مقتله رمزا عالميا، بينما كان بالنسبة إلى ألييدا أبا له أربعة أطفال، و رجلا عاش معها تفاصيل يومية لا تظهر في الصور. و من ثم فإن مهمتها لم تكن فقط الحفاظ على ذكراه، بل مقاومة اختزاله.

من الإنسان إلى الأسطورة

بعد 1967 دخل تشي مرحلة جديدة من حياته التاريخية. تحولت صورته إلى رمز ثوري عالمي، و أصبحت صورته الفوتوغرافية الشهيرة تُستخدم في سياقات سياسية و ثقافية لا حصر لها.

لكن ألييدا اتخذت، على امتداد السنوات، موقفا مختلفا: كان عليها أن تحفظ الإنسان الموجود خلف الرمز. و لهذا جاء كتابها ( المذكرات ) بعد عقود، لا بوصفه مجرد مذكرات حب، و إنما باعتباره شهادة شخصية على رجل دخل التاريخ من خلال حياته الخاصة أيضا. الكتاب يضم ذكريات، و رسائل، و صورا، و وثائق، و يعيد بناء العلاقة منذ الحرب حتى الوفاة في بوليفيا.

و في تقديم الكتاب، اعتُبرت ألييدا شاهدة استثنائية لأنها لم تعرف تشي من الكتب أو الخطب، بل عاشت معه في أكثر من مستوى: رفيقة سلاح، و رفيقة حياة، و أم لأطفاله، ثم حارسة لوثائقه.

هذا الموقع منح شهادتها قيمة خاصة، لكنه فرض عليها أيضا مسؤولية ثقيلة: كيف يمكن أن تتحدث عن رجل تحبه من دون أن تحوله إلى قديس ؟ و كيف تحمي ذكراه من دون أن تمنع الباحثين من مساءلته ؟ و كيف تحافظ على الوثيقة الأصلية في زمن تصبح فيه الأسطورة أسرع من التاريخ ؟

مركز دراسات تشي غيفارا

من أهم ما فعلته ألييدا بعد رحيل تشي مساهمتها في إنشاء و تطوير ( مركز دراسات تشي غيفارا ) في هافانا، الذي ارتبط تأسيسه بالأرشيف الشخصي لتشي في عام 1983. و يضم المركز صناديق و وثائق و صورا و كتبا و أعمالا و مخطوطات، و يعمل على دراسة حياته و فكره و نشر أعماله و الحفاظ على مواده الأصلية.

و هنا تنتقل ألييدا من موقع ( أرملة الزعيم ) إلى موقع أكثر تخصصا: ( حارسة أرشيف ). و الأرشيف ليس مجرد غرفة تحتوي أوراقا قديمة. في حالة تشي، يمثل الأرشيف المادة التي يمكن من خلالها التفريق بين الرجل التاريخي و الرجل الأسطوري. فدفتر، أو رسالة، أو مسودة بخط اليد، أو نسخة أولى من مقال، يمكن أن يقدم للباحث معلومات لا توفرها الخطب المنشورة لاحقا. و لذلك أصبح جمع هذه المواد و مقارنتها و تصنيفها و نشرها جزءا من مشروع تاريخي.

و توضح المواد المرتبطة بالمركز أن من وظائفه تطوير الدراسات حول حياة تشي و عمله و فكره، و جمع و حفظ المخطوطات و الطبعات و الصور و الوثائق و المواد المرتبطة به، و إعداد المنشورات، و المساهمة في النشاطات العلمية و الثقافية المتعلقة بإرثه.

و هذا المشروع لم يكن منفصلا عن ألييدا نفسها. فهي لا تكتفي برئاسة المؤسسة، بل شاركت في العمل الوثائقي و التحريري. و في مشاريع نشر كتابات تشي، تظهر مشاركتها في مراجعة النصوص الأصلية و مقارنتها و التعامل مع مخطوطاته، و هي مهمة صعبة خصوصا أن بعض نصوصه كانت مكتوبة بخط يد معقد و صعب القراءة.

و من هنا يمكن القول إن ألييدا انتقلت من حمل الرسائل في الحرب إلى حفظ الرسائل بعد الحرب. في شبابها كانت الرسالة الثورية شيئا يجب أن يصل من مكان إلى آخر من دون أن تقع في أيدي الشرطة. و بعد عقود أصبحت الرسائل شيئا يجب أن يحفظ في الأرشيف، و يُقرأ و يُقارن و يُحقق و ينشر. إنها دائرة تاريخية شديدة الدلالة.

الأرشيف بوصفه مقاومة للنسيان

في السياق التاريخي، لا تقل عملية حفظ الأرشيف أهمية عن كتابة السيرة. فالسيرة يمكن أن تتحول إلى رواية شخصية، أما الوثيقة الأصلية فتمنح الباحث فرصة العودة إلى المصدر. و لهذا كان اهتمام ألييدا بأرشيف تشي جزءا من معركة أوسع: معركة الذاكرة.

لم تكن المشكلة أن العالم سينسى تشي. العكس هو الصحيح. العالم قد يتذكره أكثر مما ينبغي، و لكن بطريقة مختزلة.

قد يصبح تشي صورة على قميص، أو وجها على ملصق، أو شعارا سياسيا، أو رمزا تجاريا، أو شخصية رومانسية في المخيال الشعبي. لكن هذه الصور لا تخبرنا عن آلاف الصفحات التي كتبها، و عن ملاحظاته الاقتصادية، و رسائله، و مذكراته العسكرية، و تأملاته في الاشتراكية، و لا عن تطوره الفكري و السياسي.

من هنا يصبح عمل مركز الدراسات محاولة لإعادة الرمز إلى الوثيقة. و تكمن أهمية ذلك في أن أعمال تشي نفسها تغطي مجالات واسعة: من الحرب الثورية إلى الاقتصاد، و من التنظيم السياسي إلى الفكر الاشتراكي، و من العلاقات الدولية إلى التجربة الأفريقية و البوليفية. و تحمل الطبعات الحديثة من أعماله إشارة متكررة إلى حقوق ألييدا مارش و مركز دراسات تشي غيفارا، بما يؤكد استمرار دورها في صيانة هذا التراث و نشره.

ألييدا و الذاكرة العائلية

ثمة بعد آخر في إرث ألييدا لا يمكن فصله عن عملها الأرشيفي: الذاكرة العائلية.فهي لم تحفظ أوراق تشي فحسب، بل حفظت أيضا ذاكرة الأب داخل الأسرة. و هذه نقطة مختلفة تماما عن الذاكرة السياسية. فالتاريخ الرسمي يهتم بما فعله تشي في المعارك و الوزارات و المفاوضات و الرحلات. أما الأسرة فتتذكر كيف كان أبا، و كيف كتب لأطفاله، و كيف عاش في المنزل، و كيف تعامل مع زوجته.

و تكشف رسائل تشي المنشورة من الكونغو و بوليفيا عن استمرار هذه الصلة. فحتى عندما كان في بيئة عسكرية شديدة الخطورة، كان يكتب إلى ألييدا و إلى أطفاله.

و هنا تصبح ألييدا شاهدة على المفارقة الإنسانية التي طبعت حياته: رجل يدعو إلى التضحية الثورية و يغادر منزله إلى قارة أخرى، لكنه في الوقت ذاته يظل أبا يفكر في أطفاله و يكتب إليهم.

لم تحاول ألييدا محو هذه التناقضات. و هذا أحد أسباب قيمة شهادتها. فهي لا تقدم تشي كتمثال، بل كإنسان يجمع بين الصرامة و الحنان، بين السياسي و الأب، بين القائد و الرجل الخاص.

بين البطولة و الواقع

من السهل في الكتابة عن ألييدا مارش الوقوع في فخين متعاكسين. الأول هو تحويلها إلى شخصية رومانسية لا وجود لها إلا باعتبارها حب تشي. و الثاني هو تحويلها إلى رمز ثوري كامل لا يسمح بأي مساحة للحياة الخاصة. لكن تجربتها أكثر ثراءً من ذلك. لقد كانت ألييدا امرأة عاشت التحول من كوبا ما قبل الثورة إلى كوبا الثورة، و من السرية إلى السلطة، و من الحرب إلى الدولة، و من الزواج إلى الأمومة، و من الانتظار إلى الفقد، و من الفقد إلى الأرشيف.

و لذلك فإن حياتها تسمح بقراءة الثورة من مستوى مختلف: مستوى المرأة التي لم تكن في مركز الخطاب الرسمي دائما، لكنها كانت ضرورية لاستمراره.

ففي الجبهة كان هناك رجال و نساء يحملون السلاح. و في المدن كانت هناك شبكات تعمل في السر. و بعد الثورة كانت هناك عائلات يتعين عليها التكيف مع رجال الدولة و الثوار الذين لم تتوقف حياتهم عند حدود الأسرة. و بعد موت تشي كان هناك جيل كامل يحتاج إلى حفظ الوثيقة. ألييدا عبرت كل هذه المستويات.

امرأة وراء رجل أسطوري أم شخصية تاريخية مستقلة ؟

السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية هو: هل ينبغي قراءة ألييدا مارش من خلال تشي أم قراءة تشي من خلال ألييدا ؟ ربما لا تكفي أي من الإجابتين. فهي بالفعل ارتبطت ارتباطا لا ينفصل عنه ؛ كانت زوجته و رفيقة سلاحه و أم أطفاله، و لذلك يستحيل كتابة سيرتها دون المرور به.

لكنها في الوقت ذاته امتلكت مسارا سابقا و لاحقا مستقلا. قبل تشي، كانت ناشطة سرية في حركة 26 يوليو، و ناقلة رسائل و مقاتلة في حرب الثورة.

مع تشي، كانت رفيقة سلاح ثم زوجة و أما، و شريكة في حياة رجل كان يتنقل باستمرار بين الخاص و العام. و بعد تشي، أصبحت صاحبة مشروع ذاكرة و أرشيف، و مؤلفة شهادة شخصية، و رئيسة لمؤسسة مكرسة لدراسة إرثه. و هذا يعني أن تشي ليس بداية ألييدا و لا نهايتها. إنه مركز إحدى مراحل حياتها، لكنه ليس الحياة كلها.