نبأ العراق- اقتصادي
شهدت السوق الموازية في العراق ارتفاعاً سريعاً في سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، متجاوزاً حاجز 160 ألف دينار لكل 100 دولار في بعض التعاملات، في وقت تتزايد فيه حالة القلق والترقب بشأن مستقبل سعر الصرف الرسمي، بالتزامن مع تداول معلومات عن تضمين مسودة مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2027 سعراً يبلغ 1500 دينار للدولار الواحد.
وبحسب أسعار منشورة اليوم الاثنين، بلغ سعر بيع 100 دولار نحو 160,750 دينارا مقابل 159,750 دينارا للشراء، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تجاوز السعر حاجز الـ160 ألف دينار في السوق الموازية.
هذا التطور يأتي في توقيت حساس بالنسبة للسوق العراقية، إذ لم يعد ارتفاع الدولار مرتبطاً فقط بحركة العرض والطلب اليومية، وإنما دخلت إليه عوامل أخرى، في مقدمتها التكهنات بشأن سعر الصرف في موازنة 2027، والمخاوف من تعديل السعر الرسمي، والمضاربات، وتأخر بعض الحوالات، فضلاً عن الطلب على العملة الأجنبية لتمويل الاستيرادات.
160 ألف دينار.. رقم جديد في السوق
الارتفاع الأخير يعني أن سعر 100 دولار أصبح أعلى بنحو 27 ألف دينار من السعر الرسمي الحالي البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار، إذا ما قورن بسعر 1320 ديناراً للدولار.
وتكشف هذه الفجوة عن استمرار الانفصال بين السعر الرسمي والسوق الموازية، في وقت تتأثر فيه حركة الدولار بعوامل تتجاوز احتياجات المواطنين اليومية.
وبحسب خبراء اقتصاديين نقلت عنهم تقارير محلية، فإن المضاربة وحالة عدم اليقين وتأخر الحوالات الرسمية وزيادة الطلب على الدولار من أبرز العوامل التي تدفع السوق الموازية إلى تسجيل مستويات مرتفعة ومتذبذبة.
كما أن جزءاً من الدولار النقدي المتداول في السوق الموازية يأتي من العملة التي يحصل عليها المواطنون عبر القنوات الرسمية لأغراض السفر والدراسة والعلاج، قبل أن يعود جزء منها إلى السوق المحلية، وهو ما يساهم في زيادة المعروض النقدي خارج النظام المصرفي الرسمي.
موازنة 2027 تدخل على خط الأزمة
في خضم هذا الارتفاع، برزت معلومات عن تضمين مسودة مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027 سعراً يبلغ 1500 دينار للدولار الواحد.
وتشير المعلومات المتداولة، التي نقلتها وسائل إعلام كردية، إلى أن المسودة تعتمد سعراً قدره 150 ألف دينار لكل 100 دولار، بدلاً من السعر الرسمي الحالي البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار، مع التأكيد أن المسودة لم تتحول بعد إلى قانون نافذ.
كما ناقشت اللجنة المالية النيابية، أمس الأحد، مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2027، فيما أشارت إلى استمرار بحث الوضع المالي والتعديلات المطلوبة قبل إقرار القانون.
وبحسب المعلومات المتداولة، تبلغ قيمة الموازنة المقترحة نحو 218 تريليون دينار، أي ما يعادل قرابة 145 مليار دولار عند احتسابها بسعر 1500 دينار للدولار، مقابل نحو 166 مليار دولار عند احتساب القيمة ذاتها على أساس سعر 1320 ديناراً للدولار.
لماذا يثير سعر 1500 دينار كل هذا الجدل؟
الحديث عن سعر 1500 دينار لا يعني بالضرورة أن السعر الرسمي قد تغير بالفعل، إذ إن الرقم ما يزال مرتبطاً بمسودة مشروع موازنة تحتاج إلى استكمال الإجراءات الدستورية والتشريعية.
لكن مجرد تداول الرقم في السوق يمكن أن يؤثر في توقعات المواطنين والتجار والمستوردين، خصوصاً في ظل وصول الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قريبة من هذا الرقم بل وتجاوزها.
وهنا تظهر المفارقة: فالسوق الموازية تتحرك فوق 150 ألف دينار لكل 100 دولار، بينما تتحدث مسودة الموازنة عن سعر 150 ألف دينار لكل 100 دولار، ما قد يدفع المتعاملين إلى الاعتقاد بأن الفارق بين السعرين الرسمي والموازي قد يتجه إلى الانكماش في حال اعتماد السعر الجديد.
وقد نقلت تقارير عن عضو اللجنة المالية النيابية ديلان غفور أن تثبيت سعر 100 دولار عند 150 ألف دينار في مسودة الموازنة يهدف إلى تقليص الفجوة مع السوق الموازية، وأن السعر المقترح لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلس الوزراء والبرلمان، وبالتالي لا يمثل قراراً نهائياً حتى الآن.
هل ارتفاع الدولار سببه الموازنة فقط؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بحصر ارتفاع الدولار بعامل واحد.
فالسوق الموازية تتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها حجم الطلب على الدولار، مستوى المعروض النقدي، الحوالات الخارجية، حركة الاستيراد، المضاربات، وثقة السوق بالسياسة النقدية والمالية.
وفي تقرير حديث، أشار اقتصاديون إلى أن "التأخر في الحوالات الرسمية المستخدمة لتمويل الاستيرادات يمكن أن يدفع التجار إلى البحث عن الدولار خارج القنوات الرسمية، الأمر الذي يرفع الطلب في السوق الموازية".
كما أن حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف في موازنة العام المقبل تدفع بعض التجار والمواطنين إلى التحوط بشراء الدولار، وهو ما يزيد الضغط على الدينار.
الدولار والسلع.. الخطر الأكبر
المشكلة لا تتوقف عند سوق الصرف، فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير السلع والبضائع والمواد المختلفة، ولذلك فإن ارتفاع الدولار في السوق الموازية يمكن أن يتحول إلى ارتفاع في كلفة الاستيراد، وبالتالي ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات.
ويرى اقتصاديون أن "استمرار ارتفاع سعر الدولار يمكن أن يرفع كلفة السلع المستوردة، بما يزيد مخاطر التضخم المستورد، خصوصاً إذا استمرت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية".
وهذا يعني أن المواطن قد يواجه تأثيرات غير مباشرة لارتفاع الدولار، حتى لو لم يكن من المتعاملين في سوق العملة؛ إذ إن التاجر الذي يشتري الدولار بسعر مرتفع لتمويل استيراد بضاعة معينة سيحاول عادةً تحميل جزء من الزيادة على سعر البيع النهائي.
احتياطيات النقد الأجنبي تحت المراقبة
وفي جانب آخر، تبرز مسألة الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي العراقي كأحد المؤشرات المهمة عند قراءة تطورات سوق الصرف.
وبحسب البيانات التي أوردها تقرير محلي نقلاً عن بيانات البنك المركزي، بلغت الاحتياطيات الأجنبية نحو 80.633 مليار دولار بنهاية تموز 2026، مقارنة بـ97.432 مليار دولار في نهاية العام الماضي، بانخفاض يقارب 16.8 مليار دولار.
ولا يعني انخفاض الاحتياطيات وحده أن الدينار سيتعرض لانخفاض حتمي، لكنه يمثل مؤشراً تراقبه الأسواق عند تقييم قدرة السياسة النقدية على إدارة سوق الصرف وتلبية الطلب على العملة الأجنبية.
النفط يبقى العامل الحاسم
وتزداد حساسية سعر الصرف في العراق بسبب الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن النفط يشكل نحو 90 بالمئة من إيرادات الموازنة العراقية، ما يجعل المالية العامة شديدة الارتباط بأسعار النفط وحجم الصادرات والإيرادات الدولارية.
ومن هنا فإن أي تغيير في سعر الصرف المستخدم عند تحويل الإيرادات النفطية إلى الدينار يترك أثراً مباشراً في حجم الموارد الدينارية التي تدخل إلى الخزينة.
فكلما ارتفع سعر الدولار مقابل الدينار، تحصل الحكومة على عدد أكبر من الدنانير مقابل كل دولار من الإيرادات النفطية، وهو ما قد يزيد الموارد المحسوبة بالدينار ويساعد على تمويل الإنفاق العام، لكنه في المقابل يعني انخفاض القيمة الخارجية للدينار وارتفاع كلفة السلع المستوردة.
وإذا اعتمدت الحكومة فعلياً سعر 1500 دينار للدولار في الموازنة، فقد تصبح المسافة بين السعر الرسمي والسوق الموازية أقل بكثير مما هي عليه الآن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن السوق الموازية ستستقر تلقائياً عند هذا المستوى.
فالاستقرار يتطلب معالجة أسباب الفجوة نفسها، ومنها تسهيل وصول التجار والمواطنين إلى الدولار عبر القنوات الرسمية، وتحسين كفاءة القطاع المصرفي، وضمان انسيابية الحوالات الخارجية، والحد من المضاربات.
ماذا ينتظر السوق؟
السوق العراقية تقف حالياً أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتقاطع فيها حركة الدولار في السوق الموازية مع مشروع موازنة 2027.
وبينما تجاوز الدولار حاجز 160 ألف دينار لكل 100 دولار في السوق الموازية، يتحدث مشروع الموازنة المتداول عن سعر 150 ألف دينار لكل 100 دولار، لكن الرقم الأخير لا يزال ضمن مشروع يحتاج إلى إجراءات وموافقات قبل أن يصبح نافذاً.
وبالتالي، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه السوق: هل يعود الدولار إلى الانخفاض مع زيادة المعروض ووضوح موقف الحكومة من سعر الصرف؟ أم يستمر الصعود بفعل المضاربات ومخاوف تعديل السعر الرسمي؟
المصدر: أخبار السومرية نيوز
