نبأ العراق
شهد قطاع الطيران المدني العراقي خلال الأيام الماضية حالتين تستحقان التوقف عندهما من منظور اقتصادي وتشغيلي وتنظيمي لأنهما تطرحان سؤالاً أوسع من مجرد السماح أو عدم السماح لشركة أجنبية بتشغيل رحلات إلى العراق.
السؤال الحقيقي هو
كيف توازن الدولة بين انفتاح سوق النقل الجوي أمام الشركات الأجنبية وبين واجبها في توفير بيئة تنافسية عادلة للناقل الوطني والشركات العراقية؟
فالانفتاح الجوي بحد ذاته ليس مشكلة بل هو جزء أساسي من تطوير النقل الجوي لكن الانفتاح عندما لا يقترن بالتبادلية وبحقوق النقل المتوازنة وباستراتيجية واضحة لحماية القدرة التنافسية للناقل الوطني يمكن أن يؤدي إلى نتيجة اقتصادية مختلفة تماماً تتمثل بزيادة حصة الناقل الأجنبي من السوق العراقي مقابل تراجع حصة الناقل المحلي.
أولاً: الاستثناء الخاص بالرحلات إلى إيران
الحالة الأولى تتعلق بحصول الخطوط الجوية العراقية على استثناء من العقوبات الأمريكية يسمح لها بتسيير رحلات إلى إيران.
من منظور الطيران الحصول على مثل هذا الاستثناء لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره إجراءً إدارياً وإنما باعتباره فرصة تشغيلية وتجارية محددة زمنياً.
فالناقل الوطني أمام سوق موجود فعلياً وطلب على السفر بين العراق وإيران سواء لأغراض العلاج أو الدراسة أو الزيارات أو غيرها.
وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للاستثناء لا تتحقق بمجرد الحصول عليه وإنما عندما يتحول إلى
رحلات فعلية.
مقاعد معروضة للبيع.
خطة تشغيلية واضحة.
خطة تسويقية.
استثمار أمثل لأسطول الشركة.
إيرادات تدخل إلى حسابات الناقل الوطني.
خدمة للمسافر العراقي.
وهنا تظهر نقطة فنية مهمة
الاستثناء التنظيمي لا يساوي تلقائياً القدرة على التشغيل.
فالخطوط الجوية العراقية تحتاج إضافة إلى الاستثناء إلى التأكد من جاهزية الطائرات، والطاقم، والصيانة، والتأمين، والحقوق التشغيلية، وموافقات سلطات الطيران في البلد الآخر والجدول التشغيلي وفتح الحجز وإصدار التذاكر.
لذلك فإن عدم تشغيل الرحلات خلال الفترة المتاحة يجب ألا يتحول إلى اتهام مسبق وإنما إلى سؤال مهني يستحق الإجابة
ما الذي حال دون تحويل الاستثناء إلى تشغيل فعلي؟
هل كانت المشكلة في الجاهزية الفنية؟
أم في حقوق النقل؟
أم في موافقات الجانب الإيراني؟
أم في الجدولة؟
أم في عوامل تجارية أو إدارية أخرى؟
هذه أسئلة يمكن الإجابة عنها بالأرقام والوثائق وليس بالتكهنات.
ثانياً: دخول الشركات الإيرانية
في المقابل إذا تم السماح لشركات إيرانية بتشغيل عدد كبير من الرحلات إلى العراق خلال الفترة نفسها فإن المسألة تصبح ذات أهمية أكبر من الناحية الاقتصادية.
فالسؤال هنا ليس
هل يحتاج المسافر العراقي إلى هذه الرحلات؟
بالتأكيد نعم.
والمنافسة وزيادة السعة الجوية قد تكونان في مصلحة المسافر.
لكن السؤال الذي يهم صانع القرار في قطاع الطيران هو
ما هي الحصة التي ستذهب إلى الناقل العراقي من هذا الطلب؟
كل مقعد يتم تشغيله على طائرة أجنبية يمثل إيراداً يذهب إلى شركة أجنبية في حين أن تشغيل المقعد نفسه بواسطة الناقل الوطني يعني أن جزءاً أكبر من القيمة الاقتصادية يبقى داخل الاقتصاد العراقي.
وهذا هو الفرق بين النظر إلى الطيران باعتباره خدمة نقل فقط والنظر إليه باعتباره قطاعاً اقتصادياً وسيادياً.
ثالثاً: السوق الوطني ليس مجرد مطار
من الأخطاء الشائعة في سياسات النقل الجوي التعامل مع المطار باعتباره هو السوق.
المطار هو البنية التحتية.
أما السوق الحقيقي فهو المسافر والإيراد والوجهة وحصة الشركة من حركة النقل.
فعندما تدخل شركة أجنبية إلى العراق وتبدأ بنقل المسافرين من العراق إلى وجهات دولية فهي لا تستفيد فقط من خدمات المطار وإنما تحصل على حصة من الطلب العراقي على السفر.
ولهذا فإن دراسة أثر أي اتفاق أو موافقة تشغيلية يجب أن تتجاوز عدد الرحلات إلى مؤشرات أكثر أهمية مثل
عدد المقاعد المعروضة.
نسبة الإشغال.
عدد المسافرين العراقيين.
الإيرادات المتوقعة.
حصة الناقل الوطني.
الوجهات التي تخدمها الرحلات.
درجة التنافس بين الناقلين.
مدى التبادلية بين العراق والدولة الأخرى.
رابعاً: الحرية الخامسة ليست المشكلة بحد ذاتها
وهنا يجب توضيح نقطة تخصصية مهمة.
الحرية الخامسة من حريات النقل الجوي ليست امتيازاً سلبياً ولا مخالفة بحد ذاتها.
بل يمكن أن تكون أداة مهمة لتطوير شبكة النقل الجوي وزيادة خيارات المسافر.
لكن تأثيرها الاقتصادي يعتمد على كيفية تطبيقها.
فعندما تستخدم شركة أجنبية مطار دولة ما كنقطة لالتقاط ونقل مسافرين إلى دولة ثالثة فإنها تدخل فعلياً في المنافسة على السوق المحلي للمسافرين.
لذلك فإن منح حقوق الحرية الخامسة يجب أن يكون جزءاً من سياسة نقل جوي مدروسة وليس مجرد قرار منفصل.
والسؤال الأساسي هنا
هل حصل الناقل الوطني العراقي على حقوق مماثلة في سوق الناقل الأجنبي؟
إذا كانت الإجابة لا فهنا تظهر مشكلة التوازن والتبادلية.
خامساً: دخول الناقل الألماني إلى السوق العراقي
الإعلانات المتعلقة بدخول ناقل ألماني إلى المطارات العراقية ونقل المسافرين من العراق إلى أوروبا تفتح ملفاً مهماً آخر.
فالسوق الأوروبي تحديداً يمثل سوقاً استراتيجياً للناقل العراقي.
وبالتالي فإن دخول شركة أوروبية إلى هذا القطاع من السوق يعني عملياً أن جزءاً من الطلب العراقي على السفر إلى أوروبا سيصبح متاحاً أمام الناقل الأجنبي.
وهذا ليس ممنوعاً من حيث المبدأ.
لكن يجب طرح السؤال المقابل
هل يستطيع الناقل الوطني العراقي أن يدخل السوق الأوروبي بالشروط نفسها؟
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
إذا كان الناقل العراقي لا يستطيع الوصول إلى جزء من السوق الأوروبي بسبب القيود التنظيمية أو التشغيلية المرتبطة بالحظر الأوروبي فإن فتح السوق العراقي أمام شركات أوروبية دون معالجة اختلال الوصول المتبادل للأسواق قد يؤدي إلى عدم تكافؤ تنافسي.
وهذا يختلف عن مفهوم المنافسة الحرة.
سادساً: الحظر الأوروبي وتأثيره على المنافسة
استمرار القيود الأوروبية على تشغيل الخطوط الجوية العراقية إلى أوروبا له أثر لا يقتصر على الجانب التشغيلي.
إنه يؤثر أيضاً في المركز التنافسي للناقل الوطني.
فالشركة التي تستطيع تشغيل رحلات مباشرة إلى سوق معين تمتلك أداة تجارية مختلفة عن الشركة التي لا تستطيع الوصول إلى ذلك السوق.
ولهذا فإن معالجة ملف الحظر الأوروبي يجب أن تكون من أولويات السياسة الوطنية للنقل الجوي.
ليس فقط من أجل الخطوط الجوية العراقية، وإنما من أجل
إعادة التوازن إلى سوق النقل الجوي العراقي.
سابعاً: أين تكمن مسؤولية الدولة؟
الدولة ليست مطالبة بمنع الشركات الأجنبية من العمل في العراق.
وفي المقابل الدولة ليست مطالبة أيضاً بأن تترك الناقل الوطني في مواجهة منافسة غير متكافئة.
الدور الصحيح للسلطة المختصة بالطيران المدني هو بناء إطار تنافسي متوازن يقوم على
إذا مُنحت شركة أجنبية حقوقاً معينة في العراق ينبغي دراسة الحقوق التي يحصل عليها الناقل العراقي في الدولة المقابلة.
2. حماية المنافسة وليس حماية الشركة
الهدف ليس منع المنافسين، وإنما منع التشوه في المنافسة.
3. تعظيم العائد الاقتصادي للعراق
يجب قياس أثر كل اتفاق أو موافقة تشغيلية على الاقتصاد العراقي وليس فقط على عدد الرحلات.
4. دعم الناقل الوطني ليصبح منافساً
الدعم الحقيقي ليس بإغلاق السوق، وإنما بإزالة العوائق التي تمنع الناقل الوطني من المنافسة في الأسواق الخارجية.
5. ربط سياسة الأجواء بسياسة الطيران الوطنية
لا ينبغي أن تكون الموافقات التشغيلية قرارات منفصلة عن استراتيجية شاملة للناقل الوطني والمطارات والسياحة والنقل الجوي.
ثامناً: المشكلة ليست في الأجنبي
من الخطأ اختزال الموضوع في عبارة
“نحن ضد الشركات الأجنبية.”
هذه ليست القضية.
الشركات الأجنبية يمكن أن تقدم خدمة أفضل وأسعاراً تنافسية، وربطاً دولياً مهماً وقد يستفيد منها المسافر العراقي.
لكن في الوقت نفسه يجب أن نسأل
هل يستطيع الناقل العراقي المنافسة بالشروط نفسها؟
إذا كان الجواب لا فالمشكلة ليست في الشركة الأجنبية وإنما في بيئة المنافسة نفسها.
العراق يمتلك سوقاً جوياً كبيراً وموقعاً جغرافياً مهماً ويمتلك ناقلاً وطنياً يمكن أن يكون أحد أدوات الاقتصاد الوطني.
لكن قيمة الناقل الوطني لا تقاس فقط بعدد الطائرات التي يمتلكها وإنما بقدرته على الحصول على حصة حقيقية من سوق بلده والوصول إلى الأسواق الخارجية وتحويل حركة المسافرين إلى إيرادات داخل الاقتصاد العراقي.
لذلك فإن أي سياسة لفتح السوق العراقي أمام الناقلات الأجنبية يجب أن تجيب مسبقاً عن أربعة أسئلة
ما الذي سيحصل عليه المسافر العراقي؟
ما الذي سيحصل عليه الناقل الوطني؟
ما هي الحقوق التي سيحصل عليها العراق بالمقابل؟
وهل توجد معاملة متبادلة وعادلة بين الناقل العراقي والناقل الأجنبي؟
فالانفتاح الجوي مطلوب والمنافسة مطلوبة وخدمة المسافر هي الأولوية.
لكن المنافسة الحقيقية لا تعني أن يكون سوق العراق مفتوحاً بينما يبقى الناقل العراقي مقيداً في أسواق الآخرين.
المطلوب هو الانتقال من سياسة “السماح للناقل الأجنبي بالدخول” إلى سياسة أكثر شمولاً تقوم على التبادلية والتوازن، وحماية المنافسة، وتعظيم العائد الاقتصادي الوطني.
وهنا يجب أن يكون السؤال أمام الجهات المسؤولة عن الطيران المدني العراقي واضحاً
هل لدينا اليوم استراتيجية وطنية تحدد كم نريد من حركة المسافرين أن تذهب إلى الناقل الوطني وكم يمكن أن نمنحه من حقوق للناقل الأجنبي، وماذا سنحصل عليه في المقابل؟
لأن الطيران المدني ليس مجرد رحلات تهبط وتقلع…
إنه سوق، وإيرادات، وحقوق نقل، وسياسة اقتصادية وسيادية.
المصدر: كتابات
