في اليوم الذي غادر فيه آخر الجنود الأميركيين العراق، احتفلت الفصائل المسلحة بما سمته «يوم السيادة».

في وسط بغداد، ارتفعت أعلام إيران. وفي مقاطع متداولة، ظهر مسلحون يطلقون النار في الهواء ويدوسون بعجلات عسكرية امريكية الصنع على العلم الامريكي احتفالاً بانتهاء مهمة التحالف الدولي ضد «داعش».

كان المشهد يحمل مفارقة يصعب تجاهلها: القوات الأجنبية التي طالما استخدمتها الفصائل ذريعة للاحتفاظ بسلاحها غادرت فعلاً، لكن السلاح نفسه بقي في مكانه.

وبعد ساعات من انتهاء المهمة الأميركية، لم تقل الفصائل إنها ستسلّم أسلحتها بل قالت العكس.

وهنا تبدأ المشكلة الجديدة لرئيس الوزراء علي الزيدي.

كان الزيدي يعول على نجاح المهلة الجديدة في حزيران المقبل، أو إعادة فتح التفاوض، بعد إعلان فشل الجولة السابقة، أملاً في أن تقود هذه المرة إلى إقناع الفصائل بالتخلي عن السلاح أو، على الأقل، وضع صيغة يمكن أن تنهي الضغط الأميركي.

لكن بعض العارفين بالملف يرون أن أمام رئيس الوزراء هامشاً ضيقاً للغاية. فإذا انتهت المهلة الجديدة من دون نتيجة، فقد يجد نفسه أمام خيارين شديدي الكلفة: الاستقالة أو الصدام مع الفصائل.

وكلاهما، في تقدير هؤلاء، مما ستحاول القوى الشيعية تجنبه.

في الكواليس، لم يعد بعض المطلعين على مفاوضات الملف يسمونه «نزع السلاح».

حتى عبارة «حصر السلاح» أصبحت بالنسبة إليهم جزءاً من لعبة أطول.

فالملف، بحسب مصادر مطلعة ومقربة من «الإطار التنسيقي» تحدثت إلى، لم يتحرك باتجاه انتزاع السلاح من الفصائل، وإنما جرى تخفيف المصطلحات من «حصر السلاح» إلى «تنظيم السلاح»، قبل أن تظهر لاحقاً صيغ أخرى تتحدث عن التخزين أو التجميد.

وبحسب هؤلاء، فإن الجميع يعرف أن السلاح لن ينتزع من الفصائل بسهولة.

وحتى إذا وافقت واشنطن على مهلة جديدة تمتد حتى حزيران المقبل، فإن هذا الموعد قد لا يكون أكثر من محطة أخرى في مسار طويل من التأجيل.

المشكلة، في رأيهم، ليست بغداد وحدها. الحرب والتوتر بين واشنطن وطهران ما زالا قائمين، وإيران تستخدم الفصائل المسلحة في العراق كورقة ضغط.

ولذلك فإن أي اتفاق عراقي بشأن السلاح يبقى مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بما يجري خارج الحدود العراقية.

وهكذا يمكن أن تبدأ مفاوضات جديدة للحفاظ على الموعد الثاني، ثم مفاوضات أخرى لتأجيله، إلى أن يجد الزيدي نفسه أمام السؤال الذي يحاول الجميع تجنبه: ماذا يحدث إذا انتهت كل المواعيد ولم يتغير شيء؟

«المقاومة غير ملزمة»

جاء الرد الأول من الفصائل سريعاً. لم تنتظر طويلاً بعد مغادرة آخر الجنود الأميركيين حتى تقول ما كان التفاوض طوال الأسابيع السابقة يحاول تجنبه: الانسحاب الأميركي لا يعني تسليم السلاح.

في احتفالية "يوم السيادة" وسط بغداد، قال جعفر الحسيني، المتحدث باسم ما يسمى "المقاومة الإسلامية في العراق"، إن "المقاومة غير ملزمة" بأي توقيت أو اتفاق يصدر عن طرف حكومي أو سياسي.

كان الحسيني يتحدث عن أكثر من 40 يوماً من المفاوضات، خاضتها الفصائل عبر لجنة رباعية شكلها "الإطار التنسيقي" وبالاتفاق مع الحكومة، لبحث ما سمي "تنظيم سلاح المقاومة".

لكن التنظيم، في رواية الفصائل، لم يكن يعني التخلي عن السلاح.

وبحسب الحسيني، فقد تحقق الجزء الذي يخص الانسحاب، فيما لم يصل رد الحكومة العراقية على ورقة الاتفاق التي قال إنها وقعت رسمياً من اللجنة الرباعية وممثلي الفصائل الأربعة.

ثم وضع العبارة الأكثر وضوحاً على الطاولة: "سلاح المقاومة سيظل أمانة بأيدي مجاهدينا".

وفي حديث منفصل في بغداد، كرر عضو في حركة "أنصار الله الأوفياء"، وهي إحدى الفصائل المرتبطة بـ"المقاومة"، الفكرة نفسها، قائلاً إن المقاومة لن تسلم سلاحها إلا بعد "التحقق والاطمئنان الكامل على السيادة".

لكن سقف المطالب لم يتوقف عند السلاح.

ففي بيان أعقب الانسحاب، طالبت حركة "النجباء" بأن تكون السفارة الأميركية "كسائر السفارات"، لا "مدينة أمنية وعسكرية كبيرة"، ووصفتها بأنها الأكبر على مستوى العالم.

ودعت الحركة في بيان، إلى إنهاء ما سمته "الهيمنة الأميركية" على اقتصاد العراق ومقدراته، ومنع التدخل الأميركي في الشأن السياسي، و"تحرير سماء العراق" من الطائرات الأميركية، فضلاً عن إبعاد الأميركيين عن الحدود العراقية مع سوريا والأردن والكويت.

أما أبو حسين الحميداوي، مسؤول "كتائب حزب الله"، أكبر الفصائل الشيعية، فاختار لغة أكثر احتفالاً بالنتيجة.

قال إن "المقاومة انتصرت في هذه الجولة مع الاحتلال الأميركي، والمنتصر فيها هو من يفرض شروطه"، في إشارة إلى الانسحاب الأميركي.

لكن الحميداوي ترك الباب مفتوحاً أمام تصور مختلف للدولة المسلحة.

«كثير من دول العالم تمتلك أكثر من جيش وأكثر من منظومة عسكرية»، قال، مضيفاً أن القرار الأساسي في السلم والحرب يجب أن يكون واحداً، «أو يكون، على الأقل، متفقاً عليه»، معتبراً أن ذلك «مقبول لدينا».

وخلال أشهر التفاوض، كانت قد تحولت قضية السلاح تدريجياً من "حصر السلاح" إلى "تنظيم السلاح". ويقول مطلعون على المفاوضات إن هذا التحول جرى بتسويف مدعوم من طهران، في محاولة لتأجيل اللحظة التي يتعين فيها على الفصائل اتخاذ قرار واضح بشأن ترسانتها.

حتى في ذروة المفاوضات، لم تقل الفصائل صراحة إنها ستتخلى عن سلاحها.

كان ذلك ثابتاً تقريباً في كل الجولات، سواء بقي الأميركيون أم خرجوا، فإن السلاح لم يكن مطروحاً، من وجهة نظر الفصائل، كشيء ينبغي تسليمه ببساطة.

بالنسبة إلى عقيل عباس، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، فإن الانسحاب الأميركي أزال شيئاً مهماً من المعادلة، وهي الذريعة.

يقول عباس لـ إن الفائدة الأساسية والمهمة للانسحاب الأميركي هي إزالة عذر رئيسي للفصائل المسلحة التي تطلق على نفسها اسم «فصائل المقاومة».

«الفصائل المسلحة التي تطلق على نفسها فصائل المقاومة تحتاج احتلالاً، حتى ولو احتلالاً صورياً، كي تبرر وجودها».

ومن وجهة نظره، جرى تحويل الوجود الأميركي الذي كان بدعوة رسمية من الحكومة العراقية إلى "احتلال".

ثم يضيف: "عموماً في العراق تزييف الأشياء أصبح عادياً، وحتى أحياناً متفقاً عليه".

لكن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني، في حسابات عباس، انتهاء المشكلة بل ربما يعني بداية المرحلة الأصعب.

فمنذ الآن، ستصبح الحكومة العراقية مطالبة بالتعامل مع السلاح من دون الذريعة التي ظلت الفصائل تستخدمها لسنوات.

ويعتقد عباس أن الفترة المقبلة ستشهد "صراعاً شديداً وراء الكواليس" بين الحكومة، وربما القضاء، من جهة، و"الإطار التنسيقي" والفصائل المسلحة من جهة أخرى.

ويختصر المشهد باعتباره محاولة للتوصل إلى حل "يسكت الأميركيين" أو يخفف ضغطهم، خصوصاً احتمال فرض عقوبات اقتصادية على العراق.

المهلة الجديدة لنزع السلاح، في رأي عباس، ليست مجرد موعد على التقويم بل اختبار للزيدي نفسه.

يقول إن الولايات المتحدة مددت الأمر من 30 أيلول إلى حزيران، أي نحو تسعة أشهر، وخلال هذه الفترة سيجري اختبار قوة رئيس الوزراء السياسية، وقدرته على الالتزام بالوعود التي أطلقها، واستخدام الأدوات الموجودة في يده.

«هذه أصعب فترة أمام الزيدي»، يقول عباس.

فواشنطن تريد أن تعرف، كما يرى، ما إذا كان لديها حليف تستطيع دعمه والاستمرار في دعمه، أم أن الزيدي سينتهي مثل رؤساء وزراء آخرين: "لديه النيات المناسبة، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى واقع".

ويقول عباس إن هذا هو "الاختبار الحقيقي".

وفي الخلفية، لن يكون الصراع عراقياً خالصاً. "بالوكالة سوف يكون صراع بين النفوذ الإيراني في العراق والقدرة الأميركية"، يقول.

لكن عباس يميز بين "النفوذ" الأميركي والنفوذ الإيراني.

فأميركا، بحسب وصفه، ليست موجودة في العراق بالطريقة التي توجد بها إيران، لكنها تملك أدوات ضغط واضحة، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والمالية والسياسية.

ومن هنا، يصبح السؤال المقبل أقل ارتباطاً بالموعد وأكثر ارتباطاً بمن يملك القدرة على كسره.

ويقول: "فريق حصر السلاح أقوى أم فريق تسويف هذا الحصر والذهاب إلى تخريجة لكسب الوقت؟".

ويتوقع عباس فترة توتر شديدة مقبلة في العراق.

السؤال الذي لا يريد أحد طرحه

لكن عباس يذهب أبعد من مسألة تسليم السلاح.

فحتى إذا اقتنعت بعض الفصائل، تحت الضغط أو التوجيه الإيراني أو بسبب المخاوف الداخلية، بوضع سلاحها جانباً أو تجميده، فإن ذلك، في رأيه، لا يحل المشكلة الأساسية.

لأن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بالفصائل الموجودة الآن بل بإيران.

يقول عباس إن السؤال الحقيقي هو استخدام إيران الأراضي العراقية لتوجيه ضربات إلى خصومها، بما في ذلك دول الخليج.

وبالتالي، حتى لو أقنعت الحكومة الفصائل بتسليم سلاحها أو تجميده، فإن إيران، عندما تحتاج، قد تنشئ جماعة جديدة أو تستخدم أفراداً من هذه الفصائل من دون علم قياداتها.

ويشير إلى واقعة «ضربة الطيب في العمارة» التي استهدفت منشات نفطية سعودية الشهر الماضي، بوصفها مثالاً على هذا النوع من المخاوف.

لذلك، يقول، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه مختلف: ليس فقط ماذا ستفعل الفصائل بسلاحها؟

بل: «ما الذي ستفعله الدولة العراقية إذا استُخدمت أراضيها لضرب خصوم إيران»؟

«لا سلاح موال لإيران في داخل العراق، ولا سلاح مواز لسلاح الدولة»، يقول عباس.

لا فرق، في هذا التصور، بين أن يكون السلاح بيد الفصائل الحالية أو أن يظهر لاحقاً في جماعات جديدة.

ولا فرق أيضاً بين ضربة تعلن إحدى الفصائل مسؤوليتها عنها وضربة تأتي من "جهات مجهولة" ثم تقول الفصائل جميعاً: "ليس لنا علاقة".

لكن طرح هذا السؤال، بحسب عباس، يعني في النهاية أن على الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة أن تتخذ موقفاً واضحاً من إيران.

أن تقول لها: "لا تستخدموا أراضينا لضرب خصومكم".

ويرى أن "الإطار التنسيقي" لم يصل بعد إلى هذه المرحلة.

وقد لا يصل إليها إلا إذا أصبحت كلفة الامتناع أكبر بكثير، خصوصاً في حال تعرض العراق لعقوبات أميركية شاملة وشديدة.

«تغييرات كثيرة» قبل حزيران

مع ذلك، لا يرى كاتو سعدالله، الباحث في شؤون العلاقات العراقية ـ الأميركية، أن الأشهر المقبلة ستبقى على حالها.

الفصائل التي أعلنت أنها لن تسلم سلاحها حتى بعد الانسحاب الأميركي، يقول سعدالله لـ، أمامها الآن 9 أشهر أخرى.

وخلال هذه الأشهر، يتوقع أن تحدث تغييرات كثيرة في المنطقة.

«وأنا متأكد من ان رئيس الوزراء الزيدي يعلم بهذه التغييرات التي قد تحصل».

لكن إذا بقيت الفصائل على موقفها، فإن الخيارات أمام رئيس الوزراء تصبح أكثر وضوحاً.

إما أن يواجه السلاح، بمساعدة أميركية، أو أن يستمر في محاولة الوصول إلى حل سياسي.

ويقول سعدالله إن واشنطن تعرف جيداً طبيعة ارتباط هذه الفصائل بإيران، ويقارن ذلك بالارتباط بين الحوثيين وإيران، وبين حزب الله وإيران في لبنان.

لذلك، في رأيه، فإن المشكلة العراقية لن تنفصل تماماً عن العلاقة الأميركية ـ الإيرانية.

«فإذا ما حلت القضية بين الولايات المتحدة وإيران هذه القضية سوف تحل».

ولا يتوقع سعدالله أن يستقيل الزيدي، فهو، بحسب تقديره، يتمتع بدعم واضح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

المصدر: وكالات