ليست كل أشكال الوعي التي يحتاجها الإنسان يمكن أن يتعلمها داخل المدرسة، فهناك وعي تصنعه الحياة وحدها، وتبنيه التجارب، وتمنحه الأيام للإنسان بعد أن يدفع ثمنه من عمره وراحته ودموعه ومواقفه. فالمدرسة تعلمنا القراءة والكتابة والحساب، وتمنحنا المعارف والشهادات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعلمنا كيف نقرأ وجوه الناس، وكيف نميز بين الصديق الحقيقي ومن يقترب منا لمصلحة، وكيف نحافظ على كرامتنا دون أن نجرح كرامة الآخرين. هناك دروس لا توجد في المناهج الدراسية، ولا يشرحها المعلم على السبورة، وإنما تكتبها الأيام في أعماقنا حرفا بعد حرف. قد يتعلم الإنسان في المدرسة عشرات القواعد، لكنه يتعلم من الحياة قاعدة واحدة قد تغير مسار حياته كلها، وهي أن الإنسان لا يعرف قيمة بعض الأشياء إلا بعد أن يفقدها. وقد يحمل شخص أعلى الشهادات العلمية، لكنه يفتقر إلى أبسط صور الوعي الإنساني، بينما نجد إنسانا بسيطا لم تسمح له ظروفه بإكمال دراسته، لكنه يمتلك من الحكمة والتجربة وحسن التعامل ما يجعله معلما لكثير من المتعلمين. إن الوعي الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب التي قرأناها، ولا بعدد الشهادات التي حصلنا عليها، وإنما يظهر في طريقة تفكيرنا، وفي قدرتنا على فهم الحياة، وفي احترامنا للآخرين، وفي اعترافنا بأخطائنا، وفي قدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن ندافع عنه وما يستحق أن نتركه خلفنا. الحياة مدرسة كبيرة، لكنها لا تمنح شهاداتها في نهاية العام، ولا تضع درجات على دفاترنا، وإنما تكافئنا أحيانا بالطمأنينة، وتعاقبنا أحيانا بالندم، وتترك لنا في كل تجربة درسا جديدا. ومن أقسى دروس الحياة أن نكتشف متأخرين أن بعض الأشخاص الذين منحناهم ثقتنا لم يكونوا يستحقونها، وأن بعض الذين تجاهلناهم كانوا أكثر صدقا ووفاء مما تصورنا. ومع مرور السنوات يبدأ الإنسان بفهم أشياء لم يكن يفهمها في شبابه، فيكتشف أن الصمت في بعض المواقف حكمة، وأن الابتعاد عن بعض العلاقات راحة، وأن التسامح ليس ضعفا، وأن الاعتذار لا ينقص من قيمة الإنسان، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة لا يمتلكها إلا من عرف قيمة نفسه. وهناك وعي آخر لا تصنعه المدارس، هو أن نعرف كيف نحيا دون أن نؤذي الآخرين، وكيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وكيف نحترم آراء الناس حتى عندما لا تتفق مع آرائنا، وكيف نترك مساحة للآخر كي يكون مختلفا عنا دون أن نحاول تغييره بالقوة. فالإنسان الواعي ليس ذلك الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء، وإنما الذي يعرف حدود معرفته، ويستمع قبل أن يحكم، ويسأل قبل أن يقرر، ويتأنى قبل أن يطلق الأحكام على الآخرين. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يمتلك المعرفة دون وعي، لأن المعرفة قد تمنح الإنسان المعلومات، لكن الوعي يعلمه كيف يستخدمها. وقد يمتلك الإنسان القدرة على الكلام، لكن الوعي يعلمه متى يتكلم ومتى يصمت. وقد يستطيع الإنسان أن ينتصر في جدال، لكن الوعي يعلمه أن ليس كل انتصار يستحق أن نخسر من أجله إنسانا نحبه. وربما كانت الأسرة أول مدرسة للوعي، ثم تأتي الحياة لتكمل ما بدأته الأسرة والمدرسة والمجتمع. ففي البيت نتعلم الاحترام والرحمة وتحمل المسؤولية، وفي المدرسة نتعلم المعرفة والانضباط، وفي الحياة نتعلم كيف نستخدم كل ذلك في مواجهة الواقع. ولهذا فإن التربية الحقيقية لا تنتهي عند باب المدرسة، وإنما تستمر ما دام الإنسان حيا. كل موقف يمر بنا يمكن أن يكون درسا، وكل إنسان نلتقيه قد يترك فينا أثرا، وكل خسارة قد تعلمنا شيئا، وكل نجاح قد يكشف لنا شيئا عن أنفسنا. وربما يكون أجمل ما يكتسبه الإنسان مع تقدم العمر هو القدرة على النظر إلى الماضي دون حقد، وإلى الحاضر دون غرور، وإلى المستقبل دون خوف. فالوعي الذي تصنعه الحياة يجعل الإنسان أكثر هدوءا وأقل اندفاعا، وأكثر تفهما للناس وأقل رغبة في محاسبتهم على كل صغيرة وكبيرة. وفي النهاية تبقى الشهادة التي تمنحها المدارس ورقة، أما الشهادة التي تمنحها الحياة فهي الإنسان نفسه. فحين تصبح أكثر رحمة، وأكثر حكمة، وأكثر قدرة على الاعتذار، وأكثر حرصا على ألا تظلم أحدا، وأكثر معرفة بقيمة الوقت والعائلة والصداقة والكرامة، فأنت قد نجحت في أهم درس لم يكن موجودا في أي كتاب مدرسي. وربما لهذا السبب نجد أن بعض كبار السن الذين لم يحملوا شهادات جامعية يمتلكون وعيا عميقا بالحياة، لأنهم قرأوا كتابا لا تنتهي صفحاته اسمه التجربة. فالمدارس تعلمنا كيف نبدأ الطريق، أما الحياة فتعلمنا كيف نسير فيه، وكيف نتعثر ثم ننهض، وكيف نخسر دون أن نفقد إنسانيتنا، وكيف نكبر دون أن نفقد قلوبنا. وهذا هو الوعي الذي لا تصنعه المدارس، وإنما تصنعه الأيام.

المصدر: وكالات