نبأ العراق
في الذكرى التاسعة لرحيل جلال طالباني، استذكر رئيس كتلة صويانا المسيحية كلدو رمزي أوغنا مواقفه من قضايا المسيحيين، داعيًا إلى صون إرادتهم السياسية وحقوقهم.
نص استذكار رئيس كتلة صويانا المسيحية، كلدو رمزي أوغنا، لرحيل مام جلال
حين نستذكر الرئيس الراحل مام جلال طالباني، فإننا لا نستذكر مجرد رئيس جمهورية أو زعيم سياسي مرّ في تاريخ العراق الحديث، بل نستذكر قائدًا استثنائيًا كان له دور بارز ومحوري في النضال ضد دكتاتورية النظام البائد، وأسهم بعد عام 2003 في رسم ملامح النظام السياسي الجديد، حاملًا رؤية تقوم على الديمقراطية والتعددية والشراكة واحترام إرادة مكونات العراق.
وبالنسبة لنا نحن المسيحيين، لم تكن علاقة مام جلال بقضايانا علاقة مناسبات أو مجاملات سياسية، بل كانت نابعة من قناعة راسخة بأن المسيحيين جزء أصيل من هذه الأرض، وأن الحفاظ على وجودهم وهويتهم الثقافية وحقوقهم وتمثيلهم السياسي ليس شأنًا مسيحيًا فحسب، بل مسؤولية وطنية.
ويكفي أن نعود إلى رؤيته التي نشرها عام 1992، حين دافع بوضوح عن حقوق الآشوريين وخصوصيتهم القومية والثقافية، ثم جاءت مساهمته في دعم إنشاء مديرية عامة للثقافة الآشورية، والاهتمام بتدريس اللغة والتاريخ، وإعادة الفلاحين إلى قراهم وأراضيهم، وضمان حرية العبادة وإعمار الكنائس، إلى جانب ضمان المشاركة والتمثيل في المؤسسات والإدارة.
كان ذلك قبل أكثر من ثلاثة عقود، وفي مرحلة كانت فيها المنطقة والعراق يعيشان ظروفًا سياسية مختلفة تمامًا. ومع ذلك، كان يتحدث بلغة الحقوق والشراكة والهوية، وهي قضايا ما زال المسيحيون يطالبون باستكمال ضماناتها حتى اليوم.
وفي فترة رئاسته للجمهورية، لم تبقَ هذه الرؤية حبيسة الخطاب السياسي، بل تحولت إلى مواقف وإجراءات واقعية، ففي خضم موجة العنف والتهجير التي تعرض لها مسيحيو الموصل عام 2008، عمل على تخصيص منح مالية لمساعدة العائلات المسيحية المهجّرة، وشُكّلت لجنة تضم ممثلي المكون للإشراف على توزيعها.
وبعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد عام 2010، وقف مام جلال ضد تحويل الهجرة إلى حل لمأساة المسيحيين. وفي تلك المرحلة طرح أيضًا فكرة استحداث محافظة في سهل نينوى، بما يوفر إطارًا إداريًا يحفظ حقوق أبناء المنطقة وخصوصيتها ضمن العراق والدستور.
وانتقل هذا الاهتمام إلى خطوة مؤسساتية عندما أعلن في عام 2011 عن تشكيل مكتب لشؤون المسيحيين في رئاسة الجمهورية، لمتابعة أوضاع المسيحيين واحتياجاتهم والعمل على معالجة ما يتعرضون له من مظالم واعتداءات.
كما دعم استقرار المسيحيين في كركوك، وقدم مساعدات إلى أكثر من مئة عائلة مسيحية للمساهمة في بناء مساكنها وتعزيز بقائها على أرضها.
لكن الأهم من الأموال والمكاتب والمبادرات هو الفكرة السياسية التي كانت تقف خلفها.
كان ينظر إلى المسيحيين بوصفهم أصحاب قضية وإرادة وقرار، لا مجرد أرقام تضاف إلى توازنات القوى الكبرى. وكان حريصًا على ألا يصبح وجودهم السياسي ساحة لتصفية الحسابات أو امتدادًا لصراع المكونات والقوى الأكبر، على أن يبقى قرارهم نابعًا منهم وتمثيلهم معبرًا عن إرادتهم.
وهنا تبرز أهمية نهجه في واقعنا اليوم، فحماية المسيحيين لا تقتصر على أمنهم ووجودهم وأرضهم، بل تشمل أيضًا حماية إرادتهم السياسية وحقهم في اختيار ممثليهم بعيدًا عن تدخل المكونات والقوى الأكبر.
وانطلاقًا من هذا النهج، يمكن القول إن مام جلال، لو كان بيننا اليوم، لكان من أبرز الداعمين لإصلاح النظام الانتخابي بما يصون هذه الإرادة، واعتماد سجل خاص للناخبين المسيحيين، وتعديل قانون الانتخابات بما يضمن أن تكون مقاعد الكوتا تعبيرًا حقيقيًا عن أصوات المسيحيين وإرادتهم.
لترقد روحك بسلام، مام جلال. ستبقى مواقفك تجاه المسيحيين حاضرة في ذاكرتنا، شاهدة على رؤية آمنت بأن حماية التنوع تبدأ باحترام الحقوق والإرادة الحرة.
