عاد ملف سعر صرف الدولار إلى واجهة المشهد الاقتصادي في العراق بقوة، بعد بدء تنفيذ قرار تعديل سعر الصرف الرسمي، بالتزامن مع ارتفاع حاد للدولار في السوق الموازية، وتوقف بعض محال الصيرفة عن البيع، وإيقاف عدد من تجار سوق الشورجة عمليات بيع السلع والبضائع، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات السياسية والاقتصادية من تداعيات القرار على الأسعار والقوة الشرائية للمواطنين.

وأعلنت وزارة المالية العراقية، البدء الرسمي بتعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى 1500 دينار للدولار الواحد، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم (544) المتخذ خلال جلسته الاعتيادية المنعقدة في السادس من تشرين الأول 2026.

وبالتزامن مع ذلك، أعلن البنك المركزي اعتماد سعر 1520 ديناراً للدولار للمواطنين و1510 دنانير للمصارف، في خطوة تعني انخفاض قيمة الدينار أمام العملة الأميركية، وسط ترقب واسع لما ستؤول إليه حركة السوق خلال المرحلة المقبلة.

قفزة في السوق الموازية

ولم تنتظر السوق الموازية طويلاً للتفاعل مع القرار، إذ سجل الدولار ارتفاعاً ملحوظاً في بغداد، ليصل في بورصتي الكفاح والحارثية إلى 168,500 دينار مقابل 100 دولار، مقارنة بـ159,800 دينار، فيما بلغ سعر البيع في محال الصيرفة 169 ألف دينار، مقابل 168 ألفاً للشراء.

هذا الارتفاع ترافق مع حالة من التذبذب دفعت عدداً من محال الصيرفة في العاصمة إلى وقف بيع الدولار، بينما أفاد تجار في سوق الشورجة المركزي بإيقاف عمليات بيع السلع والبضائع بشكل كامل، على خلفية قرار تعديل سعر الصرف.

وتكشف هذه التطورات عن حساسية السوق العراقية تجاه أي تغيير في سعر الصرف، خصوصاً مع اعتماد قطاعات واسعة من التجارة المحلية على الاستيراد، الأمر الذي يجعل تحرك سعر الدولار عاملاً مؤثراً في كلفة السلع والخدمات.

تحذيرات من كلفة القرار

على المستوى السياسي، دعا عضو مجلس النواب مقداد الخفاجي إلى عقد جلسة طارئة وفورية لإلزام الحكومة بالتراجع عن قرار زيادة سعر صرف الدولار، وإعادة النظر في آثاره الاقتصادية والمعيشية.

وقال الخفاجي إن زيادة سعر الصرف الحكومي تضيف عبئاً جديداً على المواطن، محذراً من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، وداعياً إلى تقديم المصلحة المعيشية للمواطن على الاعتبارات الأخرى.

ولا تقتصر المخاوف على الجانب السياسي، إذ حذر الباحث في الشأن الاقتصادي هيثم الخزعلي من الآثار التي قد تلحق بالمواطن جراء تغيير سعر الصرف الرسمي، داعياً الحكومة إلى البحث عن بدائل لتأمين النفقات بدلاً من تحميل المواطن تبعات القرار.

ويعني أي ارتفاع في كلفة الدولار، بالنسبة إلى المستوردين والتجار، زيادة في كلفة شراء السلع المستوردة، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار البيع في الأسواق، خصوصاً إذا استمر الارتفاع في السوق الموازية واتسعت الفجوة بينها وبين السعر الرسمي.

بين الموازنة وسعر الصرف

في المقابل، لا يزال سعر الصرف يشكل محوراً رئيسياً في النقاشات المرتبطة بمسودة موازنة 2027. فقد أكد عضو اللجنة المالية النيابية ريبوار أورحمن أن اللجنة ناقشت وزير المالية بشأن بنود الموازنة، مشيراً إلى أن سعر الصرف لم يُحسم حتى الآن وأن التفاوض بشأنه مستمر، مع طرح نطاق يتراوح بين 1400 و1500 دينار.

ويضيف هذا الموقف طبقة أخرى من الجدل إلى الملف، خصوصاً في ظل إعلان وزارة المالية بدء تنفيذ سعر 1500 دينار، وما رافقه من تغيير في الأسعار الرسمية لدى البنك المركزي.

ويُنظر إلى سعر الصرف في الموازنة باعتباره أحد المتغيرات الأساسية التي تؤثر في تقدير الإيرادات والنفقات، وبالتالي فإن تغييره لا ينعكس على المواطن والأسواق فقط، وإنما يمتد إلى الحسابات المالية للدولة وحجم الإيرادات بالدينار.

وسط هذا الجدل، تعددت الرؤى الاقتصادية بشأن الطريقة الأنسب للتعامل مع الأزمة. الخبير المالي محمود داغر وصف المرحلة الحالية بأنها من أسوأ المراحل الاقتصادية التي مر بها العراق منذ عام 2004، داعياً إلى إقرار ما سماه "موازنة أزمة"، مع ضبط الإنفاق والابتعاد عن القرارات التي قد تزيد الضغوط المالية.

وحذر داغر من ارتفاع الدين العام واستنزاف احتياطي البنك المركزي، معتبراً أن المشكلة الحالية لا تتمثل في أزمة سيولة أو نقد، كما انتقد التقديرات المقترحة للموازنة، وربط الخيارات المطروحة بشأن سعر الصرف بتطورات إيرادات النفط والظروف المرتبطة بحرب هرمز.

في المقابل، يرى الخبير المالي والمصرفي مصطفى حنتوش أن الارتفاع الذي شهده الدولار في السوق الموازية إلى مستويات تجاوزت 163 ألف دينار لكل 100 دولار يمثل "فقاعة" ناجمة عن الشائعات والتوقعات المرتبطة بمسودة الموازنة. وأكد حنتوش أن الحديث عن أسعار تتراوح بين 1400 و1500 دينار للدولار لا يزال ضمن المقترحات المتعلقة بمسودة الموازنة، وليس سعراً نهائياً محسومًا.

أما الخبير الاقتصادي بلال الخليفة، فطرح سعراً وسطياً عند نحو 1350 ديناراً للدولار، معتبراً أن الظروف الاقتصادية التي دفعت إلى خفض قيمة الدينار سابقاً تغيرت، وأن خفض سعر الدولار قد يساهم في تقليل كلفة السلع المستوردة وتحسين القدرة الشرائية، مع إبقاء جزء من الإيرادات الإضافية للحكومة.

بين القرار الحكومي وتحركات السوق، يجد الاقتصاد العراقي نفسه أمام معادلة حساسة، فرفع سعر الدولار يمكن أن يوفر إيرادات دينارية أكبر للحكومة عند تحويل الإيرادات النفطية، لكنه في المقابل يرفع كلفة الاستيراد ويضغط على القدرة الشرائية، بينما يمثل خفض الدولار مصلحة مباشرة للمستهلك من ناحية أسعار السلع المستوردة، لكنه قد يقلل الإيرادات الدينارية المتحققة للخزينة.

وتزداد حساسية المعادلة مع استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بالتزامن مع اتساع الإنفاق العام وارتفاع الاحتياجات المالية للدولة.

وفي السوق، تبقى التطورات اليومية لسعر الدولار مؤشراً مهماً على حجم القلق لدى التجار والمواطنين، خصوصاً أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية قد تتحول إلى عامل إضافي في اضطراب الأسعار.

وبينما تؤكد الحكومة بدء تطبيق السعر الجديد، تستمر المناقشات النيابية والاقتصادية بشأن موازنة 2027 والسعر الذي ينبغي اعتماده، في وقت تفرض فيه تحركات السوق واقعاً ضاغطاً على صانع القرار، ليبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع العراق تمرير تعديل سعر الصرف من دون أن يدفع المواطن كلفته عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية؟

المصدر: أخبار السومرية نيوز