نبأ العراق
في عراق الاحتلال.. والاختلال لدينا قدرة عجيبة غريبة على الاحتفال بقضايا تحمل المفارقة اكثر مما تحمل علامة فارقة. احتفلنا بيوم السيادة الوطني في 30 أيلول بخروج القوات الأجنبية – ومعظمها من القوات الامريكية – من بلادنا. علماً بأنها إُستدعيتبطلب رسمي من الحكومة العراقية عام 2014 إبان إحتلال خفافيش الموت والظلام داعش الإرهابي، وذلك للمساعدة في تحرير ارضنا الطاهرة من رجسهم لما يمتلكونه من أجهزة ومعدات عسكرية لوجستية متقدمة مثل الرصد الجوي والاستخباري والرادارات... الخ. وبعد النصر الناجز على الاوغاد عام 2017 والحمد لله، انتفت الحاجة لوجودهم وتم خروجهم اخيرا بعد سنوات من المماطلة. لتعم الاحتفالات… وتُرفع الرايات.. وتُطلق الخطابات والبيانات. خرجَالجنود. حُملت الحقائب. أُغلقت القواعد. انتهت المهمة. وانتهى المشهد. حسناً، جميل جدا كل ذلك. لكن اسمحوا لي بسؤال بسيطلا يُفسد بهجة الاحتفال: من الذي قال إن خروج القوات الأجنبية يعني امتلاكنا للسيادة ؟!. وقبل الجواب لنعرف أولا ما هو مفهوم السيادة لنستطيع الإجابة عن هذا السؤال الشائك.. المتشابك.
تُعدّ السيادة من أهم مقومات الدولة. وتقوم باختصار على ثلاثةاركان أساسية: الأول بسط سلطتها على كامل الرقعة الجغرافيةوالمتكونة من أقاليم، ولايات، محافظات. برا، وبحرا، وجوا. والثانيبسط سلطتها على جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات والشعب دونما تمييز. والثالث الاستقلال التام للقرار الوطني، وعدم التبعية لأية دولة أو جهة خارجية او خضوعها لإملاءاتها ورفضها لأي تدخل أجنبي. ولو سألنا أي انسان بسيط: هل هذه الأركان متوفرة لدينا ؟! الجواب قطعا لا.. وبالثلاثة !. ولا داعي للتفصيل في ذلك فهي أضحت من البديهيات لكل منصف وموضوعي. وهاكم ابسط دليل،فأموال النفط مودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي ويمكن بجرة قلم من ترامب المعتوه يمنع من تسليمها حتى ينهار الوضع في العراق اقتصاديا. فعن اية سيادة تتحدثون اذا كانت الأوامر والاملاءات تأتينا من الخارج، ومنها ترامب ابن الـ……… !! العم (سام)… وهو حقا اسم على مسمى.
وهنا ستبدأ المفارقة والكوميديا السوداء فالحقيقة شيء،والاستغفال شيء آخر. نحتفل بخروج القوات الأجنبية ثم نتساءل:من يمتلك مفاتيح اقتصادنا ؟ ومن يستطيع أن يضيّق علينا بالدولارالجبار ؟. وعندها لم يعد السؤال: أين القوات ؟ بل: أين القرار؟..ومن أين الفِرار.. من الدبابة إلى الدولار ؟!!. فحروب الاجيال القديمة كانت بسيطة واضحةً، صريحةً بعجلات وجنازير.. وليست برجال بهيئة خنازير !. أما حروب الجيل الخامس الحديثة فلا تدخل عليك من الباب، بل من التطبيقات.. ولا تحمل الرشاشات.. بل خوارزميات في الشاشات. ولا تطلق رصاصة بل تضغط زرّاً. ويكفي لدولة عظمى السيطرة على دولة أخرى ومقدراتها أن من خلال منظومتها المالية، فضائها السيبراني، الذكاء الاصطناعي… وسواها من أدوات التحكّم الحديثة. فهل السيادة أن نمتلك الدبابة.. أم نمتلك قرار تشغيلها ؟!. وهل الاستقلال أن تكون أموالنا في خزينة.. ومفتاحها لدى خصمنا ؟!.
فيا سادتي المحتفلين صفّقوا للانسحاب.. لكن لا تصفّقوا للوهم.فإذا خرجت القوات فهل خرجت معها الوصاية والتبعية الاقتصادية أو السياسية ؟!. فالسيادة لا تُقاس بعدد القوات التي غادرت الى الخارج، وإنما بعدد القرارات التي صدرت من الداخل. ولا بطول الخطب في يوم الاحتفال، وإنما بقصر المسافة بين إرادة المواطن وقرار الدولة.
والسيادة ليست أنْ لا يسكن الأجنبي أرضك فقط.. وإنما أنْ لا يسكن قرارك. أو أنْ تقول للأجنبي: (اخرج من بلدي)، لتسألهبعدها: (ما المطلوب مني الآن ؟!). إنها تعني أنْ تكون الأرض أرضك.. والمال مالك.. والقرار قرارك.
وحين ترفع علمك فوق السارية.. وتضع قرارك فوق الطاولة لا تحتها، حينها فقط حقَّ لك أن تحتفل. أما إذا خرج الجندي وبقيت الإرادة معلّقةً على مكالمة خارجية، فما الذي قد تغيّر ؟!. تغيّر الزي العسكري فقط. فقد اضحى الاستعمار.. بهيئة (إستحمار).. بدل (إستثمار)، ومغامرات ومؤامرات تُحاك.. هنا.. وهناك. فيأتيك مبتسما ببدلة فاخرة، وربطة عنق انيقة وحقيبة دبلوماسية (سامسونايت)، مبتسماً لك ابتسامة صفراء، ويأخذ منك كل ما يريد من دون ان يطلق عليك رصاصة واحدة. إنه زمنٌ تستطيع فيه أن تكون الدولة مستقلةً سياسيا لكنها تحتاج إلى إذن اقتصادي كي تتنفس !. لذلك لا نريدها سيادةً استعراضية، عبارة عن (شو) كرنفالي مصطنع لا اكثر. ثم في اليوم التالي نعود كما كنا فالعرض قد انتهى !.. نريدها سيادةً بحق.
فيا أهل العراق.. يا أهل (الوفاق والاتفاق) !. ويا ايها السادة.. المحتفلين بالسيادة.. ويا أصحاب السعادة.. ممن غمرتمونا بالسعادة.. لعقدين وزيادة. هاتوا الأكواب.. واشربوا الأنخاب، لكن لا تنسوا ان يكون نخب السيادة.. بطعم (سُكّر سيادة) !!.
المصدر: وكالات
