تحولت الحاجة لدى ذوي الدخل المحدود في العراق إلى سوق استغلال، حيث تبدأ القصة بقروض صغيرة وتتضخم أقساطها لتنتهي بمساومة الضحايا على بيع الكلى بوصفها آخر أوراق التسديد. وأعلنت الجهات الأمنية مؤخراً عن تفكيك شبكة تتكون من 4 متهمين، بينهم امرأتان، تعتمد على استدراج المواطنين عبر قروض ربوية وهمية وشروط تعجيزية لتوريطهم ثم مساومتهم على بيع أعضائهم لتسديد الديون المتراكمة. وفي حادثة أخرى منفصلة، خطط شخص لبيع كليته مقابل مبلغ 14 مليون دينار، نحو 9,200 دولار، في وقت تصل فيه أرباح شبكات الاتجار بالأعضاء إلى مبالغ أكبر بكثير.

تعد معدلات الفقر المرتفعة والبطالة المحرك الأساسي لهذه الكارثة، إذ تدفع الشباب نحو بيع أعضائهم كمصدر سريع للمال، وتجعل الفئات الأكثر ضعفة عرضة للاستغلال. كما يسهم نقص الإدراك بالجانبين القانوني والاجتماعي، وجهل الضحايا بوظائف الكلى، في إقناعهم بأن بيعها أمر آمن، بينما تشير تقارير حقوقية إلى أن ضعف تطبيق القانون والفساد الإداري وقصور البنية التحتية لرعاية الضحايا تشجع هذه الشبكات على التوسع.

تؤكد الأدلة الواقعية وتتبع البيانات أن بيع الكلية لا يمثل حلاً للفقر، بل يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً وتدهور مالي وصحي. وأظهرت دراسة شملت 292 شخصاً باعوا كلى لسداد ديونهم أن 74% منهم ما زالوا مدينين بعد 6 سنوات، وارتفعت نسبة الفقر بينهم من 54% قبل البيع إلى 71% بعده. وأفاد 87% من بائعي الكلى في استطلاع ودراسة بتدهور حالتهم الصحية مما يقلل قدرتهم على العمل، إضافة إلى أن 81% منهم أنفقوا المال المستحصل في غضون 5 أشهر، فضلاً عن عجز البائع عن متابعة الأمر قانونياً عند حدوث مضاعفات صحية لكونه مخالفاً للقانون.

تتعدد الجهود المبذولة لمواجهة هذه الظاهرة لتشمل مسارين رئيسيين هما المجتمع المدني والحكومة. وتعمل منظمات المجتمع المدني، ومنها مؤسسات معنية بأطفال العراق، كخط دفاع أول عبر تنظيم ندوات توعوية في الجامعات والمدارس والمناطق الشعبية بشراكة مع رجال دين ومحامين لشرح المخاطر والعقوبات، فضلاً عن تقديم دعم نفسي وتمثيل قانوني مجاني للضحايا، وخاصة الأطفال.

تتحمل الحكومة المسؤولية الأساسية عبر تشريع قوانين صارمة، أبرزها قانون زرع الأعضاء البشرية ومنع الاتجار بها رقم (11) لسنة 2016 الذي يعاقب المتاجرين بالسجن المؤبد وغرامة قد تصل إلى 40 مليون دينار كحد أقصى. وتشن الأجهزة الأمنية، ممثلة بمديرية مكافحة الاتجار بالبشر، عمليات استخبارية لتفكيك الشبكات الدولية والمحلية، فيما نفذت اللجنة المركزية لمكافحة الاتجار بالبشر استراتيجية وطنية للمدة بين 2023 و2026 قائمة على محاور الوقاية وحماية الضحايا والملاحقة القضائية والتعاون الدولي، إلى جانب السعي لتوفير ملاذات آمنة وبرامج لإعادة التأهيل.