نبأ العراق
تمر نحو ثلاثة أعوام على أحداث السابع من أكتوبر، ولا يزال الحدث محل انقسام واسع في القراءات بين اعتباره ملحمة تاريخية أو كارثة مدمرة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول صحة اتخاذ ذلك القرار استراتيجياً.
شهد ذلك الصباح نجاحاً عسكرياً مفاجئاً كشف عجز أقوى منظومة استخباراتية في المنطقة عن حماية حدودها، غير أن التاريخ العسكري يشهد بأن المعارك قد تبدأ بانتصارات وتنتتهي بخسائر كبرى، فالتخطيط الاستراتيجي يقيس ما يلي الضربة لا الضربة نفسها.
اعتمد الرهان الأساسي على صدمة إسرائيل ودفعها لدخول حرب مدن وأنفاق في غزة تتراكم فيها خسائرها، ليضطر الشارع والحليف الأمريكي للضغط عليها وقبول تسوية تتيح إعلان النصر، متجاهلاً قراءة الخصم للمشهد بوصفه فرصة نادرة لتغيير قواعد اللعبة.
أدت الصدمة إلى توحيد المجتمع الإسرائيلي ضد تكرار ما جرى متجاوزاً انقساماته الداخلية، إذ إن الدول الديمقراطية تتقاتل في الخارج وتتصارع في الداخل من دون أن ينه ذلك من بنيتها العسكرية.
رفعت الضربة الكبيرة القيود الداخلية والدولية وحسابات الكلفة السياسية التي كانت تحجم التحركات العسكرية الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر، مانحة إياها مبرراً أوسع لخطوات غير مسبوقة.
بدت فكرة وحدة الساحات متمثلة في حزب الله وفصائل العراق والحوثيين وإيران قوية نظرياً، إلا أن غياب التنسيق وتفاوت توقيتات الحسابات الخاصة بكل طرف سمح لإسرائيل بالتعامل مع كل جبهة على حدة وإضعاف الحلقات تباعاً.
خضعت التحالفات الإقليمية لميزان المصالح لا العواطف، إذ عملت إيران وحزب الله على حماية بنيتهما وأمنهما بحدود معينة، مما جعل الاعتماد على تضحيات الآخرين رهاناً غير مضمون.
ساهم الأداء الإعلامي العربي في تقديم الحرب بصورة مباراة تُحسب فيها الدبابات والكمائن، مما أوجد عالماً موازياً حرم صناع القرار من النقد الذاتي الضروري في أصعب الظروف.
تختلف مقاييس القوة بين الحركات المسلحة التي تقيسها بالقدرة على الإيلام، وبين الدول التي تمتلك احتياطيات من المال والرجال والمؤسسات تمكنها من امتصاص الصدمات ومواصلة أمد المعركة.
اتُّخذ قرار الهجوم في غرف ضيقة بينما تحمّل مليونا إنسان فاتورته دون استشارة، مما يجعل البحث في الاستراتيجية مسؤولية أخلاقية تستوجب التخطيط لليوم التالي بنفس جدية اليوم الأول.
تتطلب النهضة الأممية التمييز بين البطولة والاستراتيجية والاعتراف بالحقائق بشجاعة ودون خوف، لتبقى أحداث السابع من أكتوبر درساً في أهمية حساب البدائل والنتائج بدقة.
المصدر: كتابات
