نبأ العراق- محلي
في الثالث من تشرين الأول من كل عام، يحتفل العراق بيومه الوطني، وهي مناسبة ترتبط بمحطة مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، عندما انضم العراق إلى عصبة الأمم عام 1932، منهياً بذلك نظام الانتداب البريطاني، ومعلناً دخوله مرحلة الدولة المستقلة ذات السيادة.
ويكتسب هذا التاريخ أهمية خاصة في الذاكرة الوطنية العراقية، باعتباره اليوم الذي ارتبط بإثبات الشخصية القانونية الدولية للعراق كدولة مستقلة، بعد سنوات من التحولات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وتأسيس المملكة العراقية الحديثة.
ماذا حدث في 3 تشرين الأول 1932؟
تعود جذور المناسبة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين خضع العراق لنظام الانتداب البريطاني في إطار ترتيبات دولية أُقرت من خلال عصبة الأمم.
وبعد سلسلة من التطورات السياسية والمعاهدات بين العراق وبريطانيا، اتجه العراق نحو إنهاء نظام الانتداب والحصول على الاستقلال. وتوجت هذه المسيرة في 3 تشرين الأول عام 1932، عندما قُبل العراق عضواً في عصبة الأمم، وهو ما اعتُبر إنهاءً رسمياً لنظام الانتداب وإقراراً باستقلال العراق. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن العراق حصل على استقلاله الرسمي في هذا التاريخ وانضم إلى عصبة الأمم.
وبذلك أصبح العراق من أوائل الدول العربية التي دخلت المنظمة الدولية آنذاك كدولة مستقلة، في خطوة كان لها أثر كبير في تثبيت موقعه ضمن النظام الدولي.
وتشير سجلات عصبة الأمم إلى أن العراق أصبح عضواً فيها في 3 تشرين الأول 1932، وهو التاريخ الذي ارتبط لاحقاً باليوم الوطني العراقي.
العراق من الانتداب إلى الدولة المستقلة
لم يكن الوصول إلى استقلال عام 1932 حدثاً منفصلاً عن مسار سياسي طويل. فقد شهد العراق منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى تحولات كبيرة، بدأت بتشكيل مؤسسات الدولة الحديثة، وقيام المملكة العراقية، وصولاً إلى تطور العلاقة مع بريطانيا والتفاوض بشأن مستقبل العراق السياسي.
وفي إطار هذه التحولات، أُبرمت معاهدة 1922 بين العراق وبريطانيا، ثم جاءت اتفاقات وتطورات لاحقة ساهمت في تهيئة الطريق لإنهاء الانتداب. وتوضح الأمم المتحدة أن ترتيبات الانتداب الخاصة بالعراق اختلفت عن تلك التي طبقت في سوريا ولبنان وفلسطين، وأن العراق حصل في النهاية على الاستقلال الرسمي في 3 تشرين الأول 1932.
وكان انضمام العراق إلى عصبة الأمم بمثابة إعلان دولي عن انتهاء مرحلة الانتداب، وانتقال البلاد إلى وضع الدولة المستقلة في النظام الدولي آنذاك.
لماذا اختير 3 تشرين الأول يوماً وطنياً؟
تكمن أهمية التاريخ في أنه لا يمثل مجرد مناسبة رمزية، بل يرتبط بحدث قانوني وسياسي دولي واضح؛ إذ كان قبول العراق عضواً في عصبة الأمم في ذلك اليوم إيذاناً بانتهاء نظام الانتداب البريطاني عليه.
وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن عضوية العراق في عصبة الأمم بدأت في 3 تشرين الأول 1932، وأن قبول العراق أدى إلى انتهاء نظام الانتداب فيه.
ولهذا أصبح الثالث من تشرين الأول مرتبطاً في الذاكرة الوطنية بمفاهيم الاستقلال والسيادة وقيام الدولة العراقية الحديثة.
من الانتداب إلى السيادة
ويكتسب مفهوم السيادة في هذه المناسبة أهمية خاصة، لأن الدولة العراقية انتقلت بعد 1932 إلى مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية، وأصبحت تمارس وجودها باعتبارها دولة مستقلة معترفاً بها ضمن المنظمة الدولية القائمة آنذاك.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى يوم 3 تشرين الأول باعتباره تاريخاً لولادة العراق الحضارية أو التاريخية، فالعراق أقدم بكثير من الدولة الحديثة بحدودها ومؤسساتها المعاصرة، وإنما هو تاريخ مرتبط بقيام الدولة العراقية الحديثة واستقلالها القانوني والدولي.
فالعراق يمتلك تاريخاً حضارياً يمتد إلى آلاف السنين، من حضارات وادي الرافدين، فيما يمثل الثالث من تشرين الأول محطة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة خلال القرن العشرين.
اليوم الوطني في القانون العراقي
اكتسبت المناسبة أساساً قانونياً واضحاً مع صدور قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024، المنشور في جريدة الوقائع العراقية. وقد أكدت وزارة العدل نشر القانون في العدد (4777) من الجريدة الرسمية بتاريخ 27 أيار 2024.
ويأتي تنظيم اليوم الوطني ضمن الإطار القانوني للعطلات والمناسبات الرسمية في العراق، بما ينسجم مع الدستور العراقي الذي ينص على تنظيم العطلات الرسمية والمناسبات الدينية والوطنية بقانون.
ومنذ اعتماد المناسبة رسمياً، بات الثالث من تشرين الأول مناسبة وطنية تتضمن فعاليات رسمية وإعلامية وثقافية تستذكر تاريخ الدولة العراقية ومسيرة استقلالها.
ماذا يعني اليوم الوطني للعراقيين؟
لا تقتصر دلالة اليوم الوطني على استذكار حدث وقع قبل أكثر من تسعة عقود، وإنما يمثل مناسبة للتوقف عند مفهوم الدولة العراقية وتاريخها ووحدتها وسيادتها.
وفي الاحتفالات الرسمية بهذه المناسبة، غالباً ما تبرز مفاهيم الهوية الوطنية، وسيادة القانون، ووحدة العراق، واستقلال القرار الوطني، وبناء مؤسسات الدولة باعتبارها معاني مرتبطة باليوم الوطني.
وقد أكدت وزارة التخطيط العراقية، في احتفالها بالمناسبة عام 2025، أن الثالث من تشرين الأول يمثل ذكرى انضمام العراق رسمياً إلى عصبة الأمم عام 1932، وأنه ارتبط بولادة العراق كدولة مستقلة ذات سيادة معترف بها دولياً.
العراق في النظام الدولي بعد 1932
شكّل الانضمام إلى عصبة الأمم نقطة تحول في موقع العراق الخارجي. فقد أصبح عضواً في المنظمة الدولية التي كانت تمثل الإطار الدولي الأبرز في ذلك الوقت، وأصبح استقلاله جزءاً من النظام الدولي المعترف به.
ولاحقاً، ومع تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح العراق من الأعضاء الأصليين في الأمم المتحدة عام 1945، وهو ما وثقته الأمم المتحدة في منشوراتها التاريخية بشأن العراق.
وبذلك يمكن النظر إلى مسار 1932 باعتباره إحدى المحطات الأساسية التي أسست للحضور الدولي للعراق كدولة مستقلة، قبل انتقال النظام الدولي من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة.
يوم وطني بذاكرة تاريخية
ويحمل الثالث من تشرين الأول أكثر من دلالة؛ فهو من جهة تاريخ سياسي وقانوني يتعلق باستقلال الدولة العراقية، ومن جهة أخرى مناسبة لاستذكار التحولات التي مرت بها البلاد خلال القرن العشرين.
فبين تأسيس المملكة العراقية، والتفاوض مع بريطانيا، وإنهاء الانتداب، والانضمام إلى عصبة الأمم، ثم المشاركة لاحقاً في تأسيس النظام الدولي الجديد عبر الأمم المتحدة، تشكلت مراحل متتابعة من تاريخ العراق الحديث.
ومن هنا، فإن فهم اليوم الوطني يتطلب التفريق بين تاريخ العراق الحضاري الممتد لآلاف السنين وبين تاريخ الدولة العراقية الحديثة الذي تشكلت مؤسساتها السياسية والقانونية خلال القرن العشرين.
وفي كل عام، يعود الثالث من تشرين الأول ليكون مناسبة رسمية لاستحضار ذلك التحول التاريخي، وتذكير الأجيال بأن الدولة العراقية الحديثة مرت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى الاستقلال والاعتراف الدولي.
وبعد مرور أكثر من 90 عاماً على استقلال العراق في 1932، لا تزال المناسبة تحمل دلالة مرتبطة بمفهوم الدولة والسيادة والانتماء الوطني، فيما تمثل في التقويم الرسمي العراقي يوماً وطنياً يستذكر فيه العراقيون واحدة من أبرز محطات تاريخ بلدهم الحديث.
وهكذا، فإن 3 تشرين الأول ليس تاريخاً عادياً في التقويم العراقي؛ بل هو اليوم الذي ارتبط باستقلال العراق رسمياً وانضمامه إلى عصبة الأمم عام 1932، منهياً مرحلة الانتداب البريطاني، ومثبتاً مكانته دولةً مستقلة ذات سيادة في النظام الدولي.
