لا تبدأ الحرائق الكبيرة في الغالب، من نقطة ضوء صغيرة، إنما عادة ما تكون من شرارة تبدو عابرة ولا تستحق التوقف، ثم تجد حولها ما يكفيها من القابل للاشتعال لا بل حتى الاحتراق، فتكبر بهدوء وتتمدد بصمت، حتى يصبح إطفاؤها أكثر كلفة من الانتباه إليها في لحظتها الأولى بأضعاف مضاعفة.

ولعل هذا المثل القديم: (معظم النار من مستصغر الشرر)، يبدو اليوم أكثر من مجرد حكمة نتداولها أو نتبجح معها، بأننا نجيد الإبحار في فن الأمثال، بل إنه درساً ينبغي أن نستحضره ونحن نقف على أعتاب مرحلة عراقية جديدة، عنوانها الأبرز أن مسؤولية الأمن والاستقرار أصبحت أكثر التصاقاً بالدولة العراقية ومؤسساتها، بعد اكتمال انسحاب قوات التحالف وانتهاء مهمتها العسكرية في العراق في الثلاثين من أيلول.

واليوم، أنا لا أكتب بدافع أن هناك ما يدعو إلى الخوف، إنما هو أيضاً ليس مناسبة للاطمئنان المفرط.

إنها ببساطة وتعريف صغير، لحظة مختلفة تفرض على الجميع مستوى أعلى من الانتباه، لأن الدولة التي تتسلم مسؤولية أمنها كاملة، لا تملك ترف التعامل مع الإشارات الصغيرة باعتبارها شؤوناً مؤجلة، ولا مع الخلافات المحدودة على أنها تفاصيل يمكن تركها حتى تهدأ من تلقاء نفسها.

فالشرارة لا تأتي دائماً بصورة قنبلة أو هجوماً أو حدثاً أمنياً واضح المعالم يمكن التصدي له بسهولة، إنما قد تكون خطاباً متوتراً قادراً على زرع الانقسام، أو خلافاً سياسياً يتراكم بلا معالجة، أو سلاحاً لا يخضع بصورة كاملة لسلطة الدولة، أو ثغرة في مؤسسة أو احتقاناً اجتماعياً يجري تجاهله أو شائعة تجد من يصدقها قبل أن يجد من يصححها.

وكل واحدة من هذه التفاصيل تبقى صغيرة إذا ما عولجت في وقتها، لكنها تصبح مختلفة تماماً حين تتراكم فوق بعضها، وهنا تحديداً تكمن مسؤولية المرحلة.

فالأمن ليس فقط قدرة على مواجهة الخطر بعد وقوعه، وإنما قدرة على رؤيته قبل أن يكتمل. والسياسة ليست فقط إدارة الأزمات وقت انفجارها، بل منع الأسباب التي تدفع إليها من التراكم. والدولة القوية ليست تلك التي تنتصر على الحريق بعد اشتعاله فحسب، بل تلك التي تعرف أين يمكن أن تبدأ الشرارة، وتضع ما يكفي من اليقظة حولها كي لا تجد طريقها إلى النار.

العراق لا يدخل هذه المرحلة من فراغ، لقد اختبر خلال السنوات الماضية معنى أن تتحول الثغرات الصغيرة إلى أزمات كبيرة، وأن يصبح ما يبدو في بدايته قابلاً للاحتواء أكثر تعقيداً حين يتأخر التعامل معه، ولذلك فإن الدرس الأهم الذي ينبغي ألا يضيع وسط الاحتفال بانتهاء الوجود العسكري للتحالف، أو وسط المخاوف التي ترافق هذه اللحظة، هو أن السيادة مسؤولية قبل أن تكون عنواناً.

حين تكون حماية البلد مسؤولية أبنائه ومؤسساته، يصبح الانتباه واجباً وطنياً لا إجراءً احترازياً حسب، ويصبح احترام القانون وحماية المؤسسات ومعالجة الاحتقان، وتحصين المجتمع من خطاب الكراهية ومراقبة الحدود وتطوير القدرات الأمنية والاستخبارية، أجزاء مترابطة من مهمة واحدة، ألا نسمح للشرارة بأن تجد طريقها إلى الحطب.

كل هذا يجعل المرحلة المقبلة بحاجة إلى هدوء بقدر حاجتها إلى الحزم وإلى مؤسسات تعمل بعقل متزن لا بعقل مذعور مرتبك، فالخوف قد يزلزل أبجديات القرار، أما اليقظة فتصنعه.

وأمام ما تم استعراضه، يمكن القول إن الدور العسكري الخارجي، وإن انتهت إحداثياته، لكن ذلك لا يعني أن التحديات التي ترافقه انتهت، فتقارير اليوم تشير إلى احتمالية استمرار مخاطر مرتبطة بخلايا التنظيمات الظلامية، وباحتمالات استغلال أي فراغ أمني، فيما يظل ملف السلاح والعلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، واحداً من الملفات الحساسة في المرحلة المقبلة.

وهذه ليست دعوة إلى التشاؤم، بل تذكير بأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى يقظة حقيقية وإدارة دقيقة للتفاصيل التي قد يعتقد البعض أنها بسيطة. ربما لا نستطيع أن نمنع كل شرارة من الظهور والتشظي، لكننا نستطيع بلا شك أن نمنعها من أن تصبح حريقاً. وهذه هي المسؤولية التي تبدأ من اليوم، ألا ننتظر النار كي نبحث عن الماء، وألا نكتشف خطورة الشرارة بعد أن تلتهم الغابة لا سمح الله. فالعراق لا يحتاج إلى الخوف من مستقبله، بقدر ما يحتاج إلى أن يكون يقظاً.

المصدر: وكالة الأنباء العراقية (واع)