نبأ العراق
كان للجيرة في زمننا القديم معنى اكبر من مجرد بيوت متجاورة تفصل بينها جدران او مسافات قصيرة. كانت الجيرة علاقة انسانية تقوم على السؤال والاطمئنان والمشاركة والوقوف مع الاخر في الفرح والحزن. كان الجار يعرف جاره كما يعرف اهل بيته ويعرف ظروفه واحتياجاته وربما يعرف ما يمر به من دون ان يسأله كثيرا. كانت ابواب البيوت مفتوحة والقلوب اكثر انفتاحا وكانت الايام تجمع الناس في المجالس والمضايف وعلى موائد بسيطة لكنها عامرة بالمحبة والاحترام. كان من اجمل صور تلك الجيرة ما كنا نسميه الطعمة بين الجيران. فعندما تطبخ احدى العائلات طعاما مميزا او حتى وجبة عادية كانت تضع منها طبقا وترسله الى بيت الجار مشاركة ومحبة وليس من باب التفاخر او التكلف. وكان الجار يفعل الشيء نفسه فيرد الطبق بطبق اخر في مناسبة قريبة او بعيدة. كانت الطعمة رسالة تقول للجار نحن نتذكرك ونحن نعيش معك تفاصيل حياتنا اليومية. وربما كان الطبق بسيطا لا تتجاوز قيمته شيئا كثيرا لكنه كان يحمل قيمة اكبر من ثمنه لان ما يصل الى بيت الجار لم يكن الطعام وحده بل كانت تصل معه المحبة والسؤال وصلة القلوب. اما اليوم فقد تغيرت الصورة كثيرا حتى اصبح بعض الجيران لا يعرفون بعضهم الا من خلال الاصوات خلف الجدران وربما تجد الجار يشم طبق جيرانه فقط بدل ان تصله منه طعمة كما كان يحدث في زمن مضى. هذه ليست مجرد مقارنة بين طبق طعام قديم وطبق طعام حديث بل هي مقارنة بين زمن كانت فيه المشاركة جزءا من الحياة وزمن اصبحت فيه الخصوصية والعزلة عنوانا لكثير من العلاقات. اذا مرض احد في الماضي سألوا عنه واذا غاب افتقدوه واذا اصابه مكروه وجد جيرانه قبل غيرهم الى جانبه. حتى افراح الناس كانت جماعية والحزن ايضا كان يجد له مكانا في قلوب الجميع. كنا نعيش في قرى صغيرة لكن مشاعرنا كانت واسعة وكأن القرية كلها بيت واحد. كان الاطفال يلعبون في طرقات ودرابين القرية بين البيوت ولا يحتاجون الى مواعيد مسبقة فالجار جار والصديق قريب والاهل يعرفون بعضهم بعضا. وفي المساء كانت المجالس تجمع الرجال وتدور فيها الاحاديث عن الزراعة والمطر والارض والاسواق والناس والاخبار والحكايات القديمة. وكانت النساء ايضا يتبادلن الزيارات ويشاركن بعضهن في المناسبات والاعمال اليومية. لم تكن الحياة يومها خالية من التعب والفقر والعوز لكنها كانت غنية بالتكافل. ربما لم تكن لدينا وسائل الراحة التي نعيشها اليوم لكننا كنا نملك شيئا اصعب على الانسان الحديث ان يجده وهو شعوره بانه ليس وحيدا. اليوم تغيرت صورة الجيرة كثيرا. كبرت المدن واتسعت البيوت وارتفعت الجدران واصبح لكل انسان عالمه الخاص. قد يسكن شخص بجانبك سنوات طويلة ولا يعرف اسم جاره او مهنته او ظروفه. اصبحت الابواب تغلق اكثر واصبحت الهواتف مفتوحة على العالم كله بينما قد يكون الجار القريب خارج دائرة الاهتمام. اصبحنا نتواصل مع اشخاص يبعدون عنا الاف الكيلومترات عبر شاشة صغيرة بينما قد لا نطرق باب جار يسكن خلف الجدار نفسه. التكنولوجيا قربت البعيد لكنها في بعض الاحيان ابعدت القريب. صرنا نعرف اخبار العالم لحظة بلحظة لكننا قد لا نعرف ان جارنا مريض او ان بيتا قريبا منا يعيش ضائقة او ان شخصا كان يجلس معنا في المجلس يحتاج الى كلمة طيبة. وفي الماضي كانت الجيرة تقوم على الحضور اما اليوم فقد اصبح جزء كبير من العلاقات يقوم على الرسائل والرموز والصور والاعجابات. لم يعد اللقاء ضروريا دائما فالرسالة تكفي والاتصال قد يحل محل الزيارة والصورة قد تحل محل المناسبة. ومع ذلك فان الانسان مهما تغيرت وسائله يبقى محتاجا الى انسان اخر يجلس معه وجها لوجه ويسمعه ويشعر به. اتذكر ايام القرية حين كانت المناسبات تجمع الجميع دون دعوات رسمية وكان غياب شخص واحد يلفت الانتباه ويسأل عنه الناس. وكان القادم من مكان بعيد يجد في بيت جيرانه مكانا للراحة والطعام حتى لو لم تكن بينه وبين اهل البيت معرفة عميقة. كانت الضيافة عادة والجيرة مسؤولية والنجدة موقفا لا يحتاج الى تفكير طويل. وفي ليالي الشتاء كان الدفء لا يأتي من النار وحدها بل من اجتماع الناس حولها ومن الاحاديث التي تمتد حتى ساعات متاخرة. وفي الصيف كانت الجلسات في الساحات وتحت السماء تجمع الكبار والصغار وتفتح ابواب الحكايات القديمة. كنا نختلف نعم لكن اختلافنا لم يكن يعني انقطاع العلاقة. كان يمكن ان يختلف اثنان ثم يلتقيان في مجلس واحد وتعود الجيرة الى طبيعتها لان المجتمع كان اكبر من الخلاف. اما اليوم فقد تتحول كلمة صغيرة الى قطيعة طويلة وقد يعيش شخصان متجاوران وبينهما مسافة نفسية اكبر من المسافة بين مدينتين. من زمن الجيرة تعلمنا ان الانسان لا يعيش لنفسه وحدها وان البيت لا تكتمل قيمته بالجدران والاثاث بل بمن يطرق بابه وقت الحاجة. ومن زمن العزلة تعلمنا ايضا ان كثرة وسائل الاتصال لا تعني بالضرورة كثرة التواصل الحقيقي. ربما نحن اليوم اكثر اتصالا بالعالم لكننا اقل قربا من بعضنا. وربما لا نحتاج الى العودة الكاملة الى الماضي فهذا امر لا يمكن ان يحدث لان الحياة تغيرت والزمن له شروطه الجديدة لكننا نستطيع ان نستعيد بعض روحه. نستطيع ان نسأل عن جارنا وان نطرق بابه من دون مناسبة وان نعلم ابناءنا ان الجيرة ليست مجرد عنوان للسكن بل اخلاق ومسؤولية. فالزمن يتغير والبيوت تتغير والوسائل تتغير لكن حاجة الانسان الى المحبة والامان والانتماء لا تتغير. وبين زمن كانت فيه الجيرة تصنع مجتمعا وزمن اصبحت فيه العزلة تصنع عوالم صغيرة داخل البيوت تبقى المسألة في النهاية مرتبطة بنا نحن. فاما ان نجعل من التكنولوجيا وسيلة تقرب القلوب او نتركها تتحول الى جدار جديد يفصل الانسان عن الانسان. ولعل اجمل ما يمكن ان نحتفظ به من زمن الجيرة هو تلك القاعدة البسيطة التي عرفها اجدادنا بالفطرة وهي ان الجار ليس شخصا يسكن قربك فقط بل انسان قد تحتاج اليه ويحتاج اليك يوما ما. وعندما تختفي هذه المعاني لا تصبح البيوت اكثر امانا مهما ارتفعت جدرانها بل تصبح الحياة نفسها اكثر عزلة.
المصدر: كتابات
