نبأ العراق
حين ينطفئ الفن يبهت وجه الوطن وحين تتراجع الثقافة تتراجع معها الحضارة.
ليست الثقافة ترفاً تمارسه المجتمعات بعد أن تنتهي من بناء اقتصادها وليس الفن زينة تُضاف إلى واجهة الدولة متى ما توفرت الأموال إنهما في جوهر المشروع الوطني لأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الجسور والمدارس والمستشفيات.
الدول التي تريد صناعة المستقبل لا تكتفي ببناء الحجر بل تبني الإنسان أولاً والإنسان الذي لا يمتلك وعياً وثقافة وذائقة فنية وقدرة على التفكير والإبداع لا يستطيع أن يحمل مشروع دولة متقدمة مهما امتلكت بلاده من ثروات.
والعراق تحديداً لا يجوز أن ينظر إلى الفن والثقافة وكأنهما ملفان ثانويان فهذا البلد لم يكن يوماً هامشاً في تاريخ الحضارة من أرض الرافدين انطلقت الكتابة ومنها بدأت حكاية الإنسان مع المعرفة والتنظيم والفكر وفي بغداد ازدهرت العلوم والآداب والفنون وأصبحت المدينة في عصورها الذهبية قبلة للعالم.
فهل يليق بالعراق اليوم أن يكون متأخراً عن دوره الثقافي والفني وهو صاحب هذا الإرث الحضاري العظيم؟
إن معاهد الفنون الجميلة وكليات الفنون والمسارح ودور السينما والفرق الموسيقية والمعارض التشكيلية والمهرجانات الثقافية ليست مؤسسات هامشية بل هي خطوط الدفاع الأولى عن عقل الإنسان وذوقه ووعيه وهويته الوطنية.
وفي زمن تتسابق فيه الدول على صناعة المحتوى وبناء الصناعات الإبداعية واستثمار السينما والمسرح والموسيقى والفنون في الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية الناعمة ما زلنا في العراق بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع هذا القطاع الحيوي.
المشكلة ليست في وجود المواهب… فالعراق مليء بالمواهب المشكلة في البيئة التي تحتضن هذه المواهب وتمنحها الفرصة.
لدينا شباب قادرون على صناعة الأفلام وكتابة السيناريو وتأليف الموسيقى والرسم والمسرح والتصميم والفنون الرقمية لكن الموهبة وحدها لا تكفي فهي تحتاج إلى مؤسسات قوية ومناهج حديثة ومدرسين أكفاء ومسارح مجهزة وإنتاج حقيقي وفرص عادلة ودعم حكومي يضع الثقافة والفن في موقعهما الطبيعي.
كما أن الفن يمكن أن يكون سلاحاً وطنياً في مواجهة التطرف والمخدرات والعنف والتفكك الاجتماعي فالفيلم الهادف يستطيع أن يصل إلى عقل الشاب والمسرحية تستطيع أن تفتح باب الحوار والأغنية الوطنية تستطيع أن تجمع القلوب والعمل التشكيلي يستطيع أن يحفظ ذاكرة الوطن
وهنا يجب أن ندرك حقيقة مهمة
إذا تركنا الساحة الثقافية فارغة فسوف يملؤها الآخرون وإذا لم نقدم لشبابنا فناً راقياً وثقافة واعية فسوف تبحث الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي عن تشكيل وعيهم بدلاً منا.
لذلك فإن دعم الثقافة والفن ليس مجاملة للفنانين ولا امتيازاً لفئة معينة بل هو استثمار في الأمن الفكري والاجتماعي والوطني
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي عراقي حقيقي مشروع لا يتوقف عند إقامة احتفالية أو مهرجان ثم ينتهي بانتهاء التصفيق نحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد تعيد للمسرح مكانته وتدعم السينما وتطور معاهد الفنون وتحمي التراث وتشجع الكتاب والفنانين والمبدعين وتفتح أبواب الإنتاج أمام الشباب.
العراق لا يحتاج إلى استيراد الحضارة العراق هو أحد الذين صنعوا الحضارة.
لكن الحضارات لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها وإنما تستمر عندما يصنع أبناؤها حاضرهم ومستقبلهم.
ومن هنا فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة إلى كل من يضع السياسات الثقافية والتعليمية
لا تبنوا جيلاً يحفظ فقط ابنوا جيلاً يفكر ويبدع.
لا تملأوا المدارس بالكتب فقط. املؤوها بالفن والجمال والوعي.
لا تنظروا إلى الفنان والمثقف باعتبارهما هامشاً فهما جزء من عقل الدولة وضمير المجتمع.
فالأوطان لا تنهض بالحديد والإسمنت وحدهما وإنما تنهض بالعقل والروح والإبداع.
الفن والثقافة هما الضوء الذي ينير طريق الحضارة وإذا أردنا عراقاً قوياً في المستقبل فعلينا أن نعيد لهذا الضوء مكانته قبل أن ينطفئ.
المصدر: كتابات
