أن الاستقالة في السياسة لا تكون دائما نهاية رجل، كما ان مغادرة القصر لا يعني دائما خروجا من السلطة، فأحيانا يغادر السياسي مقعدا كي يقترب أكثر من مركز القرار ويترك خلفه بابا دستوريا مغلقا ليفتح من خلال الانتخابات بابا آخر أكثر اتساعا، وهذا ما يجعل استقالة الرئيس الصربي " ألكسندر فوتشيتش " اليوم أبعد من مجرد انتقال دستوري في " بلغراد " لأنها جاءت قبل الانتخابات البرلمانية المبكرة المقررة في 25 أكتوبر 2026، وفي لحظة سياسية شديدة الحساسية داخل صربيا

الا أن فوتشيتش اليوم لم يغادر السياسة بمعناها الحرفي بل أعلن أنه سيتحول من موقع رئيس الجمهورية إلى موقع المرشح لرئاسة الحكومة إذا تمكن حزبه من تشكيل الحكومة المقبلة، بينما ستتولى رئيسة البرلمان " آنا برنابيتش " مهام الرئاسة مؤقتا إلى حين انتخاب رئيس جديد، لتبدأ بذلك حقيقة الموضوع وأهميته من هنا، فالسلطة في أوروبا الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد السنوات التي يجلس فيها الحاكم داخل القصر، وإنما بقدرته على إعادة تشكيل موقعه داخل منظومة سياسية تتغير تحت قدميه، والرئيس الذي يخرج من قصر الرئاسة ليخوض معركة البرلمان لا يترك المسرح بل يغير موقعه على الخريطة، لكن " بلغراد " ليست مدينة أوروبية عادية ليقرأ المشهد على أنه اعتيادي، حيث إنها واحدة من تلك المدن التي تبدو جغرافيا هادئة بينما تختزن في ذاكرتها طبقات متراكمة من الإمبراطوريات والحروب والانقسامات والحدود المتحركة، فصربيا تقع في قلب " البلقان " والبلقان نفسه ظل تاريخيا منطقة تتقاطع فيها مشاريع أوروبا مع مصالح روسيا وذاكرة يوغوسلافيا وقضية كوسوفو ومسار التوسع الأوروبي

ولهذا فإن ما يحدث في " بلغراد " لا يبقى دائما داخل حدود صربيا، فالاحتجاجات الطلابية التي استمرت قرابة عامين والتي تصاعدت بعد انهيار مظلة محطة قطارات " نوفي ساد " في نوفمبر 2024 ومقتل 16 شخصا، تحولت إلى ضغط سياسي واسع ثم أصبحت الانتخابات المبكرة واحدة من مطالب الحركة الاحتجاجية، ومن هنا تأتي المفارقة في ذلك، فحين تنزل السياسة من مكاتب الدولة إلى الشوارع لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل يصبح: كيف يريد المجتمع أن تكون الدولة؟، وهذا السؤال تحديدا يهم أوروبا بأكملها

فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى غرب " البلقان " باعتباره جزءا من مستقبله السياسي والأمني، بينما تحاول دول المنطقة موازنة علاقاتها بين " بروكسل وموسكو وبكين " وغيرها، وفي هذه المنطقة تحديدا تصبح الانتخابات أكثر من عملية لاختيار حكومة، تصبح اختبارا لاتجاه الدولة وموقعها داخل أوروبا، لذلك فإن استقالة " فوتشيتش " في هذا التوقيت تفتح نافذة على سؤال أكبر من شخصه، في: هل تستطيع صربيا أن تعيد ترتيب علاقتها بين الاستقرار السياسي والمطالب الشعبية وبين السيادة الوطنية والمسار الأوروبي؟

نعم لا توجد إجابة جاهزة الأن، لكن من المؤكد أن أوروبا ستراقب بلغراد بعين مختلفة خلال الأشهر المقبلة، لأن ما سيحدث في صناديق الاقتراع قد يحدد ليس فقط شكل الحكومة الصربية بل طبيعة التوازن السياسي في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية، ففي السياسة هناك لحظات لا يكون فيها تغيير الكرسي هو التغيير الحقيقي، فالتغيير الحقيقي يحدث عندما يبدأ الشارع في إعادة تعريف معنى السلطة وعندما تكتشف الدولة أن بقاء الوجوه لا يعني بالضرورة بقاء المعادلات

لذلك ربما يكون غادر فوتشيتش القصر نعم.. الا أن السؤال الذي تركه خلفه أكبر من استقالته، وهو: هل تستطيع السلطة أن تغير موقعها دون أن تغير علاقتها بالمجتمع ؟، وذلك هو الامتحان الحقيقي الذي بدأ في بلغراد، وقد تكون أوروبا بأكملها الأن تراقب الإجابة.

المصدر: شفق نيوز