نبأ العراق
بعد أشهر من التعطيل، بدأت حكومة علي الزيدي تقترب من إغلاق آخر الملفات التي أبقت 9 وزارات شاغرة منذ أيار الماضي، في تسوية سياسية أعادت أيضاً 4 مناصب لنواب رئيس الوزراء، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن مفارقات داخل البيت الشيعي، أبرزها عودة شخصيات كانت واشنطن تعترض على مشاركتها إلى مواقع حكومية رفيعة.
وبحسب مصادر خاصة تحدثت لـ، فقد حسمت أسماء أغلب الوزراء الـ9، فيما تراجع نوري المالكي عن اعتراضاته على مناصب نواب رئيس الوزراء وقدم تنازلات سمحت بإعادة توزيع المناصب، مقابل حصول ائتلافه على وزارتي الداخلية والتعليم العالي.
وكانت مناصب نواب رئيس الوزراء قد تحولت إلى واحدة من نقاط الخلاف الرئيسية في الأسابيع الماضية، بعدما اعترض المالكي على استحداثها بسبب ما تفرضه من أعباء مالية، بحسب مقربين منه، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً اقتصادية.
لكن الخلاف انتهى بتسوية أعادت المناصب الأربعة إلى التشكيلة.
ووفق المصادر، سيحصل المالكي على الداخلية، مع ترشيح ياسر صخيل، صهره، للمنصب بدلاً من قاسم عطا، فيما رشح بهاء حيدر الحسني، عميد كلية الصيدلة في جامعة النهرين، لوزارة التعليم العالي عن ائتلاف المالكي، بعد تعثر ترشيح عامر الخزاعي في الجولة الأولى للتصويت على الوزراء.
وكان الخلاف بين المالكي وعصائب أهل الحق قد بلغ في وقت سابق مستوى أكثر حدة، بعدما أعلنت العصائب استعدادها للتخلي عن مقاعدها البرلمانية الـ28 مقابل الحصول على وزارة الداخلية، في محاولة لانتزاعها من حصة المالكي.
لكن المواجهة هدأت خلال الأسابيع الأخيرة، في وقت كان فيه الطرفان يترقبان انتهاء الوجود العسكري الأميركي وتصاعد التوتر الإقليمي، خصوصاً بعد تورط فصائل عراقية في قصف السعودية، بحسب المصادر.
ولعل أكثر ما يلفت في التسوية الجديدة هو صعود «عصائب أهل الحق» إلى مواقع حكومية كانت مشاركتها فيها أحد أسباب تعثر التشكيلة.
فالعصائب، التي كانت واشنطن تعترض على دخول شخصيات مرتبطة بها إلى الحكومة، تستعد، بحسب المصادر، للحصول على منصبين في التشكيلة الجديدة، أحدهما نائب رئيس الوزراء والآخر وزارة العمل.
وسيكون ليث الخزعلي، شقيق زعيم العصائب قيس الخزعلي، المرشح لمنصب نائب رئيس الوزراء، رغم إدراجه على قائمة وزارة الخزانة الأميركية منذ سنوات على خلفية اتهامات تتعلق بتهريب النفط.
أما وزارة العمل، فمن المتوقع أن تذهب إلى محمد التميمي، وهو مرشح من العصائب، بحسب المصادر.
وكانت الحقيبة مخصصة في السابق لأحمد الأسدي، زعيم فصيل جند الإمام والوزير السابق، الذي غادر العراق إلى أستراليا قبل نحو شهرين بعد اتهامه بقضايا، وفق ما ورد في المعلومات التي قدمتها المصادر.
وتظهر هذه الأسماء حجم التحول الذي طرأ على التشكيلة خلال الأشهر الماضية، إذ إن شخصيات كانت مشاركتها موضع اعتراض أميركي أصبحت الآن جزءاً من التسوية التي يفترض أن تنهي أزمة الكابينة.
وجاء ذلك بالتزامن مع سلسلة من التفاهمات بين بغداد وواشنطن.
تفاهم جديد مع واشنطن
ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الشيعية تضع اللمسات الأخيرة على الحكومة، كانت بغداد تقول إنها دخلت مع واشنطن في شراكة جديدة لا تقوم على الوجود العسكري الأميركي.
وبحسب مصادر خاصة تحدثت لـ، تعهدت بغداد بالسيطرة على السلاح خلال الفترة الجديدة التي تنتهي في حزيران 2027، إلى جانب حماية الاستثمارات الأميركية.
وتقول المصادر إن واشنطن قدمت، خلال الأسبوع الذي أعقب لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترامب في نيويورك، سلسلة من الاستثناءات التي ساعدت في تمرير التسوية.
وكان لقاء الزيدي بترامب قد أثار الانتباه في بغداد، خصوصاً أن رئيس الوزراء حضر الاجتماع منفرداً.
ووفق المصادر والمحللين الذين تحدثوا لـ، شملت الترتيبات تمديد الموعد المرتبط بحصر السلاح إلى صيف 2027، والسماح للطيران الإيراني بالعودة إلى مطار النجف وفق ترتيبات محددة، إضافة إلى رفع القيود عن عصائب أهل الحق.
لكن بينما كانت بغداد تمضي في هذه التفاهمات، كان خطاب الفصائل يسير في الاتجاه المعاكس.
في اجتماع طارئ للإطار التنسيقي دعا إليه الزيدي في القصر الحكومي، الجمعة الماضية، أبدت أطراف شيعية انزعاجها من تصعيد الفصائل، خصوصاً إعلانها من طرف واحد أن 30 حزيران 2027 لن يكون موعداً نهائياً للتعامل مع السلاح.
وبالنسبة إلى قيادات في الإطار التنسيقي، بدت هذه التصريحات أقرب إلى رسائل موجهة إلى جمهور الفصائل للاستهلاك الداخلي والإعلامي، منها إلى إعلان عن تغيير فعلي في التفاهمات التي تجريها الحكومة.
لكن الفصائل لم تكتفِ برفض الموعد.
ففي احتفالية وسط بغداد بمناسبة انتهاء مهمة التحالف الدولي المناهض لـ"داعش"، الأسبوع الماضي، أطلقت الرصاص في الهواء، ورفعت أعلاماً إيرانية، فيما داست عجلات على العلم الأمريكي المرسوم وسط العاصمة.
ثم انتقل الخطاب إلى مطالب سياسية أوسع.
وطالبت الفصائل بإخراج البعثة الدبلوماسية الأميركية أو خفض مستواها، وإبعاد القوات الأميركية عن الحدود الأردنية والكويتية، والمشاركة في قرار الحرب والسلم، والقبول بوجود ثنائية بين "الجيش والمقاومة».
وبدا هذا التصعيد متناقضاً مع الصورة التي كانت بغداد تحاول تقديمها عن العلاقة الجديدة مع واشنطن، خصوصاً أن الحكومة تقول إن المرحلة المقبلة يفترض أن تقوم على شراكة سياسية واقتصادية بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
لكن خالد وليد، القيادي في الإطار التنسيقي، لا يرى في مواقف الفصائل تغييراً في المسار.
ويقول لـ إن ما يصدر عنها "للاستهلاك المحلي أو الإعلامي"، مؤكداً أن ملف السلاح "محسوم" وأنه "لن يكون هناك أي تراجع" عن الخطة والموعد المحدد.
ويضيف أن الجميع سيخضع للخطة، بما في ذلك "كتائب حزب الله" و"النجباء"، وهما من أكثر الفصائل اعتراضاً على تسليم السلاح.
وبحسب المصادر، سيشغل محمد تميم، عن حزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، ومحسن المندلاوي، القيادي في الإطار التنسيقي، منصبي نائب رئيس الوزراء، مع احتمال اختيار شاخوان عبد الله عن الحزب الديمقراطي الكردستاني للمنصب الرابع إلى جانب ليث الخزعلي.
أما وزارة الدفاع، فمرشحها النائب نايف الشمري.
ولا يزال منصب وزير التخطيط غير محسوم بين محمود القيسي عن تحالف "عزم" (قبل أن يعلن فصله من التحالف بحسب بيان رسمي)، الذي يتزعمه مثنى السامرائي، ومحمد علي النعيمي.
ويأتي ذلك فيما لا يزال السامرائي محتجزاً منذ حزيران الماضي في إطار حملة مكافحة الفساد، وفق المعلومات التي أوردتها المصادر.
ويحيط بترشيح النعيمي أيضاً جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول وثائق ومعلومات تزعم وجود صلات لأبناء عمومته بتنظيم "داعش"، وهي ادعاءات لم يتسن لـ التحقق منها بصورة مستقلة.
وتحصل "عزم" أيضاً على وزارة الثقافة، مع ترشيح زيد الحماد، وهو شخصية عشائرية من الأنبار، بحسب المصادر.
أما وزارة الإعمار، فتذهب إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، مع ترشيح ريباز حملان، الذي كان مرشحاً للوزارة في الجولة السابقة.
وتذهب وزارة الشباب والرياضة إلى صفاء الكناني، مدير مكتب عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، والحاصل على شهادة في العلوم السياسية.
وكان قد أنفق أحد النواب الأربعة للزيدي نحو 7 مليارات دينار لتأثيث مكتب فخم في بغداد استعداداً للمنصب الجديد، كما جرى توظيف نحو 800 شرطي في وزارة الداخلية لتشكيل فوج حماية له.
وتأتي هذه التفاصيل في وقت كان المالكي يعترض فيه على مناصب نواب رئيس الوزراء تحديداً بسبب أعبائها المالية، بحسب مقربين منه.
ومع ذلك، انتهى الخلاف إلى عودة المناصب نفسها إلى التشكيلة، في واحدة من أبرز التسويات التي رافقت استكمال الحكومة.
وتقول المصادر إن أسماء الوزراء وصلت، صباح أمس، إلى مكتب الزيدي، مع وضع بديلين لكل مرشح، ليختار رئيس الوزراء بينهم. وبحسب المصادر، يتوقع الزيدي إرسال القائمة إلى رئاسة البرلمان يوم الثلاثاء، تمهيداً لعرضها على مجلس النواب.
أما جلسة التصويت، فتتحدث التقديرات عن عقدها هذا الأسبوع، أو في الأسبوع المقبل في حال تعذر استكمال الإجراءات.
المصدر: المدى
