في السياسة، لا تقتصر أهمية الخطابات على مضمونها، بل تمتد إلى اللغة التي تُقال بها، والمكان الذي تُلقى فيه، والجمهور الذي تتوجه إليه. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب رئيس إقليم كوردستان نيجيرڤان بارزاني باللغة العربية في بغداد بوصفه أكثر من خطاب في مناسبة وطنية؛ فهو يحمل رسالة سياسية تتصل بموقع الإقليم داخل الدولة العراقية، وطبيعة العلاقة التي يسعى إلى بنائها مع بغداد، والدور الذي يريد أن يؤديه في صياغة مستقبل العراق.

ومنذ تشكيل حكومة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في مايو/أيار 2026، أخذ حضور رئيس الإقليم في بغداد منحى تصاعدياً، بدأ بمشاركته في جلسة منح الثقة للحكومة، مروراً باجتماع ائتلاف إدارة الدولة، وصولاً إلى حضوره في مؤتمر يوم السيادة.

وجاء هذا الحضور في لحظة تتداخل فيها أسئلة السيادة وحصر السلاح والعلاقة بين بغداد وأربيل مع النقاش حول مستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة، وموقع العراق وسط التحولات الإقليمية المتسارعة.

في هذا السياق، يكتسب اختيار رئيس الإقليم اللغة العربية دلالة تتجاوز مخاطبة الحاضرين بلغتهم؛ إذ يبدو أنه يسعى إلى توسيع موقعه السياسي، من رئيس للإقليم يتفاوض مع بغداد بشأن الملفات العالقة، إلى شريك كوردي يطرح تصوراً لمستقبل الدولة العراقية. فاللغة هنا مدخل إلى الرسالة، أما مضمونها فيتعلق بكيفية بناء دولة اتحادية مستقرة، وتنظيم القوة داخلها، وتحديد علاقاتها الخارجية.

وعندما يقول رئيس الإقليم أمام قادة البلد وممثلي المجتمع الدولي إن «العراق مسؤوليتنا المشتركة»، فإنه يقدم تعريفاً لموقع إقليم كوردستان ضمن المسؤولية الوطنية العامة. ويتعزز هذا المعنى بتأكيده أن الإقليم سيكون عوناً وسنداً لكل جهد يدعم سيادة العراق وأمنه واستقراره، ودعوته إلى معالجة الملفات العالقة داخل «البيت العراقي» وفق الدستور. وهي مفردات تمنح الخطاب طابعاً عراقياً جامعاً، وتوسع دائرة اهتمامه لتشمل الدولة ومؤسساتها ومستقبلها.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في ربط حقوق الإقليم بشكل الدولة التي ينبغي أن تحكم العراقيين جميعاً. وتطلعه إلى «عراق دستوري، فيدرالي، ومستقر، يتمتع بكامل السيادة» يقدم الفيدرالية باعتبارها عنصراً في بناء الدولة العراقية. وبذلك يفتح الخطاب مساحة لتجاوز إشكالية مزمنة في العلاقة بين بغداد وأربيل، تقوم على افتراض أن تعزيز سلطة الدولة يأتي على حساب الإقليم، أو أن توسيع صلاحيات الإقليم يضعف الدولة.

فالدولة الاتحادية تستطيع أن تجمع بين قوة المؤسسات الاتحادية واحترام الصلاحيات الدستورية للأقاليم، متى استندت العلاقة بين الطرفين إلى قواعد واضحة ومستقرة. ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة موجهة إلى إعادة تعريف مفهوم القوة داخل العراق: فقوة بغداد تكمن في قدرتها على إدارة الدولة وإنفاذ الدستور، وقوة أربيل تكمن في استقرار موقعها الدستوري ومشاركتها في القرار الوطني، بما يجعل الطرفين أكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

ويؤدي الدستور في هذا التصور وظيفة سياسية أساسية؛ فهو مرجعية لوحدة الدولة وتنظيم سلطتها، وضمان للنظام الاتحادي وحقوق الإقليم في الوقت نفسه. ولذلك فإن الدعوة إلى دولة قوية تكتسب معناها الكامل عندما تقترن بتطبيق الدستور في تنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل، وتسوية الخلافات المالية والإدارية والأمنية ضمن مؤسسات الدولة. وبهذا تصبح قوة الدولة مرتبطة بقدرتها على استيعاب تعددها وتنظيمه، وتحويل الشراكة إلى ممارسة مؤسسية قابلة للاستمرار.

وتكشف هذه المقاربة عن محاولة لتأسيس العلاقة على نجاح مشترك، بحيث يصبح استقرار الإقليم جزءاً من استقرار العراق، وتصبح قوة الدولة ضمانة لشراكة أكثر توازناً.

أما الرسالة الأكثر حساسية في الخطاب، فتتعلق بمرجعية القرار العسكري. فتأكيده أن الدولة يجب أن تكون صاحبة القرار النهائي في السلم والحرب يلامس جوهر المأزق العراقي الراهن: قدرة المؤسسات الدستورية على ضبط استخدام القوة، ومنع تعدد الجهات التي تستطيع إدخال البلد في مواجهة أو تحميله تبعات صراع إقليمي.

وفي هذا الإطار، يكتسب حديثه عن السلاح الموجود خارج سلطة الدولة أهمية خاصة؛ لأنه ينقل نقاش السيادة إلى مستوى القدرة الفعلية على اتخاذ القرار وإنفاذه. فالسيادة تظل منقوصة عندما لا يكون قرار استخدام القوة خاضعاً بالكامل للمؤسسات الدستورية للدولة.

وقد حرص رئيس الإقليم، في الوقت نفسه، على الإشادة بتضحيات الجيش العراقي والحشد الشعبي وقوات البيشمركة، بما يمنح موقفه صياغة سياسية محسوبة، تجمع بين الاعتراف بأدوار القوى التي قاتلت تنظيم داعش، وتثبيت المرجعية الدستورية للدولة في إدارة القوة. وهذه المعادلة تتيح تناول ملف السلاح من مدخل تنظيم السلطة والمسؤولية، مع الحفاظ على مكانة التضحيات التي قدمها المقاتلون في الدفاع عن العراق.

ويمتد هذا التصور إلى العلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.فقد تعامل الخطاب مع الانسحاب بوصفه مدخلاً إلى إعادة صياغة الشراكة، ودعا إلى الانتقال من علاقة تأسست على الحرب ضد الإرهاب إلى تعاون طويل الأمد يشمل الأمن والاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية. وهي رؤية تعكس إدراكاً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل التعاون العسكري إلى مصالح أوسع تدعم استقرار العراق وقدراته المؤسسية والاقتصادية.

ومن خلال هذا الطرح، يقدم الخطاب إقليم كوردستان بوصفه طرفاً مساهماً في صياغة السياسة الخارجية العراقية، ويرسل إلى الشركاء الدوليين رسالة مفادها أن العراق الاتحادي المستقر يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً. وفي الداخل، يضع إقليم كوردستان ضمن منظومة الأمن الوطني العراقي، وهو توجه ينسجم مع جهود توحيد قوات البيشمركة وتعزيز التنسيق بينها وبين القوات الأمنية الاتحادية، مع بقاء أهمية ترجمة هذا التنسيق إلى ترتيبات مؤسسية واضحة.

وتحمل دعوته إلى إبعاد العراق عن الصراعات رسالة إقليمية أيضاً. ويمكن قراءة التأكيد على المصالح المتبادلة في العلاقة مع الجيران والأصدقاء باعتباره دعوة إلى إخضاع الارتباطات الخارجية لاعتبارات المصلحة الوطنية وسيادة الدولة. وتكتسب هذه الدعوة وزنها في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على العراق، وتصبح فيها قدرته على ضبط قراره الداخلي شرطاً لحماية علاقاته الخارجية.

ومع ذلك، فإن أهمية الخطاب لا تعني أن التحول الذي يعبر عنه قد اكتمل. فالخطاب، مهما حمل من مؤشرات على تحول في طبيعة العلاقة، لا يعني أن الخلافات البنيوية بين بغداد وأربيل قد حُسمت، ولا أن الشراكة الجديدة أصبحت واقعاً مؤسسياً مكتمل الأركان. فالانتقال من التفاوض حول الملفات العالقة إلى المشاركة في بناء مستقبل الدولة يحتاج إلى التزامات متبادلة وتسويات قابلة للتنفيذ وثقة تتجاوز المناسبات السياسية.

كما أن الدعوة إلى حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة تستلزم ترتيبات تشمل جميع القوى المسلحة، وتحدد مسؤولياتها وصلتها بالمؤسسات الدستورية، فيما تحتاج الشراكة بين بغداد وأربيل إلى قواعد تحميها من تقلبات التحالفات والأزمات.

لقد استخدم رئيس الإقليم العربية ليخاطب بغداد، لكنه وضع في مضمون خطابه سؤالاً يتجاوز بغداد ليطال العراقيين جميعاً: كيف يمكن بناء دولة تجمع السيادة والشراكة، والقوة والدستور، ووحدة القرار واحترام التعدد؟

ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في خطابه. فموقع إقليم كوردستان في مستقبل العراق لن يتحدد فقط بما يحصل عليه من حقوق وصلاحيات، بل أيضاً بمدى مساهمته في تحمل مسؤولية الدولة، والمشاركة في تسوية أزماتها، والالتزام بالقواعد الدستورية التي يدعو الجميع إلى الاحتكام إليها.

وفي المقابل، فإن قوة الدولة العراقية لن تُقاس فقط بقدرتها على فرض سلطتها، بل بقدرتها على بناء شراكة اتحادية مستقرة، تستوعب التعدد، وتحمي الحقوق، وتوحد القرار السيادي ضمن المؤسسات الدستورية. وبين هذين المسارين، يمكن للعلاقة بين بغداد وأربيل أن تتحول من إدارة مستمرة للخلافات إلى شراكة فعلية في بناء مستقبل العراق.

المصدر: وكالات