في أحد قصور المنطقة الخضراء، وسط بغداد، يجري الاستعداد لاستقبال أول نائب لرئيس الوزراء علي الزيدي، براتب شهري لا يقل عن 10 ملايين دينار.

المكتب جهز، والمنصب بات قريبًا من أن يصبح حقيقة، لكن الصفقة التي أنشأته ما تزال عالقة.

بعد خمسة أشهر على الأقل من المفاوضات، لم تنجح القوى السياسية في حسم نواب رئيس الوزراء الأربعة، ولا في إكمال الوزراء الـ9 المتبقين في حكومة الزيدي.

لكن الأمر لم يعد يتعلق بتسمية أربعة نواب فقط. فقد اتسعت الصفقة لتشمل تمرير قانون الحشد الشعبي، فيما تؤدي أطراف شيعية، بينها فصائل، أدوارًا رئيسية في التأثير على المناصب المخصصة للمكونات الأخرى.

وبحسب مصادر مطلعة، وصلت أسماء الوزراء المتبقين إلى مكتب الزيدي صباح الأحد الماضي، مرفقة ببديلين لكل مرشح، ليختار رئيس الوزراء من بينهم.

وكان الزيدي يتوقع إرسال القائمة إلى رئاسة البرلمان أمس الثلاثاء، تمهيدًا لإدراجها على جدول التصويت.

وتشير التقديرات إلى أن جلسة التصويت قد تعقد غدًا الخميس، أو ترحل إلى الأسبوع المقبل إذا تعذر استكمال الإجراءات.

لكن آخر المعلومات التي وصلت إلى تفيد بأن موعد الخميس لا يزال غير محسوم، في ظل خلافات تهدد بإعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر.

وخلال الساعات الـ48 الأخيرة، قالت ثلاثة مصادر متقاطعة لـ إن المفاوضات دخلت مرحلة جديدة من التعقيد، مع ظهور خلافات تهدد موعد التصويت المفترض على الحكومة.

في المنطقة الحكومية وسط بغداد، زادت وتيرة العمل في مكتب فخم داخل "قصر الزقورة". يفترض أن يجلس فيه، في بداية الأسبوع المقبل، أحد نواب رئيس الوزراء الجدد.

بحسب المصادر، أنفق نحو 7 مليارات دينار على تجديد القصر وملحقاته. وسيحتاج المكتب، وفق المعلومات المتداولة، إلى 800 حارس على الأقل، ضمن فوج تم تعيينه مؤخرًا لحماية أحد نواب رئيس الوزراء.

المفارقة أن علي الزيدي كان، حتى اللحظات الأخيرة، يرفض وجود نواب له.

وكان نوري المالكي، زعيم دولة القانون، يؤيد هذا الموقف قبل أن يغير رأيه لاحقًا.

"كيف نترك الزيدي وحيدًا؟"

حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة صادقون، التي يفترض أن تحصل على أحد المناصب الأربعة، قدم حجته في مقابلة تلفزيونية: "مدير المدرسة له أكثر من معاونين أو ثلاثة، كيف لرئيس الوزراء أن يبقى وحيدًا؟"

في البداية، كان المال حاضرًا بقوة في النقاش. في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية، كان الحديث عن 4 نواب يعني 4 مكاتب، وحمايات، ورواتب ومخصصات جديدة.

ويقول مصدر قريب من أجواء المفاوضات إن الأطراف اتفقت لذلك على أن يكون المنصب "بلا مخصصات".

لكن الاتفاق لم يدم. يقول المصدر: "تغير الكلام بعد ذلك، وأصبح رسميًا أن يكون لنائب الرئيس الواحد راتب شهري لا يقل عن 10 ملايين دينار".

أما المخصصات الأخرى، فلم تحسم بعد، ويعتقد المصدر أنها قد تلغى.

المالكي والعصائب.. من المواجهة إلى الصفقة

جاء التحول الحاسم في قضية نواب رئيس الوزراء الأسبوع الماضي.

بعد اعتراض شديد من المالكي على زيادة الأعباء المالية التي ستترتب على المناصب الجديدة، غيّر زعيم دولة القانون موقفه.

وتقول المصادر إن المالكي تراجع مقابل الحصول على وزارتي الداخلية والتعليم العالي.

لكن وراء هذا التغيير قصة أخرى.

كان الخلاف بين المالكي وعصائب أهل الحق قد بلغ في وقت سابق مستوى أكثر حدة، بعدما أدى موقفه إلى منع العصائب من الحصول على منصب نائب رئيس الوزراء.

وفي محاولة لانتزاع وزارة الداخلية من حصة المالكي، أعلنت العصائب استعدادها للتخلي عن مقاعدها البرلمانية الـ28 مقابل الحصول على الوزارة.

لكن المواجهة هدأت خلال الأسابيع الأخيرة، بوساطة من المالكي نفسه، ثم دخل الزيدي على خط الأزمة.

تقول أطراف شيعية إن رئيس الوزراء ساعد في إزالة عقبة ثانية أمام صفقة نوابه، بعدما أقنع واشنطن برفع الحظر عن ليث الخزعلي، شقيق قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، لتمكينه من الحصول على أحد المناصب.

وقال الشيحاني، في مقابلة تلفزيونية عن زيارة رئيس الوزراء إلى نيويورك: "الزيدي بذل جهدًا كي ينقذ القرار الوطني (...) وأمّن نوابه المرشحين، من بينهم الدكتور ليث الخزعلي".

كانت العصائب قد قطعت خلال السنوات التسع الأخيرة مسافة كبيرة في تحولها إلى حركة سياسية.

وصل عدد مقاعدها إلى 28، وحصلت على منصبي محافظ ووزير في الحكومة السابقة، فيما يفترض أن تحصل على وزير في الحكومة الحالية.

وأعلنت الحركة تسليم السلاح، بينما كان ليث الخزعلي مدرجًا على قوائم الخزانة الأميركية بسبب اتهامات بتهريب النفط.

لكن صفقة النواب لم تنته عند هذا الحد.

أربعة نواب.. وأربعة صراعات

لكن الاتفاق على نواب رئيس الوزراء لم ينته عند الخزعلي.

وفق ما توصلت إليه القوى الشيعية بالتفاهم مع الأطراف الأخرى، يفترض أن يكون النواب الأربعة

نائب من صادقون.

محسن المندلاوي، القيادي في الإطار التنسيقي.

محمد تميم، عن حزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي.

نائب كردي لم يحسم اسمه حتى الآن.

وهنا تظهر عقدة أخرى.

تقول المصادر إن أطرافًا شيعية، بينها جهات تملك مجاميع مسلحة، تتدخل لمنع وصول مرشح كردي تابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، وتدعم في المقابل مرشحًا من الاتحاد الوطني الكردستاني.

وتصف المصادر الجهة التي تدعم الاتحاد الوطني بأنها "الراعي الشيعي" الذي لم تذكر اسمه صراحة.

المشكلة أن هذا الراعي وضع شرطًا لا يبدو مقبولًا بسهولة في كردستان.

بحسب المصادر، قال إنه سيوافق على تعيين ريبر أحمد، وزير داخلية إقليم كردستان والقيادي في الحزب الديمقراطي، نائبًا لرئيس الوزراء، لكنه سيطلب في المقابل أن يذهب منصب ريبر في حكومة الإقليم إلى الحزب الكردي الآخر.

وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني قد طرح، بحسب ما يُتداول، اسمين هما شاخوان عبد الله وريبر أحمد.

لكن الصفقة لا تزال عالقة.

"الراعي الشيعي" يدخل المعسكر السني

في الملف السني، يظهر "الراعي الشيعي" مرة أخرى، بحسب وصف أحد المصادر.

هذه المرة، تدور المعركة حول حصص تحالف "عزم"، بزعامة مثنى السامرائي، المحبوس منذ حزيران الماضي ضمن حملة ملاحقة الفاسدين.

يفترض أن يحتفظ التحالف بوزارتي التخطيط والثقافة في الوجبة الثانية.

لكن انشقاقًا مفاجئًا داخل الكتلة يهدد الآن بخسارة إحدى الوزارتين.

تقول المصادر إن هناك محاولة لتقليص عدد مقاعد الكتلة من 17 إلى 12، ثم إلى 10، بما يسمح بسحب وزارة الثقافة ومنحها إلى حزب "تقدم".

بدأت الأزمة بفصل محمود القيسي، القيادي البارز في الكتلة والرجل الثاني فيها، بعدما اتهمه بيان رسمي بـ"الطمع" في الحصول على منصب وزير التخطيط.

بعد خروج القيسي، انسحب نواب معه، فأصبحت الكتلة 12 مقعدًا.

والآن، وفق المصادر، تجري تفاهمات مع رعد الدهلكي، القيادي في الكتلة، للانسحاب ومعه نواب آخرون، بحيث تصل الكتلة إلى 10 مقاعد.

إذا حدث ذلك، فستحتفظ "عزم" بوزارة واحدة فقط، وهي التخطيط.

بعد طرد القيسي، تُداول اسم محمد علي النعيمي للتخطيط، فيما طُرح اسم زيد الحماد، وهو شيخ عشائري من الأنبار، لوزارة الثقافة عن "عزم".

في الحصة السنية أيضًا، لا يزال اسم وزير الدفاع غير محسوم بين النائب نايف الشمري وأسماء أخرى.

وتقول المصادر إن الوزارة ستكون شراكة بين تحالف "حسم"، برئاسة وزير الدفاع ثابت العباسي، وتحالف "جماهير" التابع لأحمد الجبوري "أبو مازن"، المحبوس منذ أشهر بتهم فساد.

وبحسب المصادر، قد يحصل "أبو مازن" على منصب وكيل في الوزارة إذا ذهبت حقيبة الدفاع إلى "حسم".

وزارة الهجرة.. المعركة المسيحية

ثم يظهر "الراعي الشيعي" مرة أخرى، هذه المرة في ملف المسيحيين.

تقول المصادر إن أطرافًا شيعية تحاول منع إسناد وزارة الهجرة والمهجرين إلى أي طرف مسيحي، باستثناء جماعة ريان الكلداني، الذي يقود فصيلًا مسلحًا في الحشد الشعبي.

لكن الأطراف نفسها لديها معركة أخرى داخل الإطار التنسيقي.

فهي تريد تمرير قانون الحشد الشعبي، الذي ينظر إليه في أوساط سياسية بوصفه مكافأة للفصائل التي قررت نزع السلاح، وفي الوقت نفسه تشجيعًا للفصائل التي ما زالت مترددة.

القانون يواجه اعتراضات داخلية وأخرى من خارج القوى الشيعية.

ولهذا، تقول المصادر، تحاول أطراف شيعية ربط تمرير القانون بتمرير الوزارات في "سلة واحدة"، على غرار سيناريو العام الماضي، عندما مرت "المدونة الجعفرية" وقانون العفو العام ضمن صفقة واحدة.

في هذه الأثناء، بدأت أسماء المرشحين للوزارات الشاغرة تستقر على الطاولة أمام الزيدي.

ياسر المالكي، القريب من نوري المالكي، هو المرشح الأبرز لوزارة الداخلية، وتقول المصادر إن حظوظه كبيرة في الحصول على المنصب.

أما التعليم العالي، فيفترض أن تذهب إلى بهاء حيدر الحسني، عميد كلية الصيدلة في جامعة النهرين، عن ائتلاف المالكي، بعد تعثر ترشيح عامر الخزاعي في الجولة الأولى للتصويت على الوزراء.

وهكذا، يحصل المالكي، وفق صيغة التفاهم الجديدة، على الداخلية والتعليم العالي مقابل تمرير صفقة نواب رئيس الوزراء.

أما العصائب، فتحصل على وزارة العمل.

ويُتداول اسم مسؤول الحركة السياسي في البصرة، المعروف بـ"أبو أديان الموسوي"، للمنصب، فيما تراجعت حظوظ ليث العذاري، القيادي في الحركة وقريب الخزعلي، والذي حصل أيضًا على منصب سفير.

ولوزارة الشباب والرياضة، رُشح صفاء الكناني، مدير مكتب عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، والحاصل على شهادة في العلوم السياسية.

أما وزارة الإعمار، فيفترض أن تذهب إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، مع ترشيح ريباز حملان، الذي كان مرشحًا للوزارة في الجولة السابقة.

المصدر: المدى