نبأ العراق
ظل اجتماع أربيل، الذي تشكلت بموجبه الحكومة العراقية عام 2010 برئاسة نوري المالكي مجددا، واحدا من أهم محطات العملية السياسية التي بقيت مثار جدل لفترة طويلة، وظلت الصحافة تلاحق تفاصيلها من دون الكشف الكامل عن مضمون ما جرى الاتفاق عليه فعلا بين قادة الكتل السياسية.
ويروي فخري كريم تلك المحطات من موقع الحاضر فيها والفاعل في تفاصيلها. فهو يطمئن المالكي الذي ظل قلقاً من موقف بارزاني حتى الدقائق الأخيرة قبيل اجتماع القادة، ويقترح عليه الاتفاق الثنائي مع رئيس الاقليم مسعود بارزاني، ثم يحمل كتاب التكليف من رئيس الجمهورية جلال طالباني إلى قاعة البرلمان!
التحضيرات لاجتماع أربيل
إلى ذلك الاجتماع وكواليسه يأخذنا فخري كريم، حيث كان حاضرا في الاجتماعات بمحطاتها الثلاث: التمهيدية منها، والأساسية التي عقدت في أربيل، والجولة الأخيرة من اللقاءات التي حسمت الاتفاقات بتفاصيلها.
يقول: «في أيلول عام 2010 طرح مسعود بارزاني مبادرته لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي امتدت بضعة شهور تحت خيمة الجلسة المفتوحة لمجلس النواب خلافا للدستور، ودعا قادة الكتل والأحزاب للقاء في أربيل والجلوس حول طاولة واحدة، والبحث في كل ما له علاقة بالأزمة وسبل الخروج منها بتوافق يفضي إلى حسم الخلافات والتباينات حول الشراكة والتوافق والتوازن، ومطالب الكتل والضمانات السياسية الدستورية للالتزام بالتعهدات التي يجري التوصل إليها وصولا إلى الاتفاق حول الرئاسات وتشكيل الحكومة»، ويضيف: «أصبحت المبادرة لاحقا الإطار الذي انتقلت إليه المفاوضات النهائية لتسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة».
وباستثناء بعض الاطراف، يقول كريم: «تلقت الأطراف المشاركة في العملية السياسية المتلكئة تحت ثقل أزماتها مبادرة بارزاني للاجتماع في أربيل بالترحيب الحار والموافقة على المشاركة».
ويروي قائلا: «جرى الاتفاق في الاجتماع الذي عقد مساء يوم 27 تشرين الأول في بغداد، الخاص بتفعيل المبادرة الهادفة إلى تشكيل حكومة شراكة وطنية عراقية، على تمثيل الأطراف المدعوة للمشاركة بممثلين اثنين ثابتين لحضور الاجتماعات التحضيرية، على أن يكون تمثيل الائتلاف الوطني - إدراكا لخصوصيته - بأكثر من ممثلين اثنين».
ويتابع: «طلب الاجتماع المذكور من المدعوين إبداء الملاحظات والإضافات حول الملفات والمحاور المطروحة في جدول العمل، وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف وبلورة مقترحات ملموسة لمعالجة ما هو موضع خلاف».
ويذكر كريم أن جدول العمل للاجتماعات التحضيرية تحدد بعشر نقاط، هي
١- الدستور والالتزام به.
٢- الشراكة الوطنية وآليات تحقيقها.
٣- معالجة الملف الأمني.
٤- التوازن الوطني وآليات تطبيقه في جميع المؤسسات.
٥- الإصلاحات الضرورية في الميادين القضائية والأمنية والإدارية والمالية والتشريعية وسواها مما يراه المجتمعون جديرا بالنقاش والاتفاق عليه.
٦- آليات عمل الحكومة وتنظيم الصلاحيات فيها.
٧- المصالحة الوطنية والمساءلة والعدالة.
٨- القضايا العالقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية.
٩- الضمانات السياسية والدستورية لتنفيذ الاتفاقات.
١٠- اجتماع مجلس النواب وتشكيل الحكومة.
ويضيف: «اقترحت لجنة المبادرة أن تعقد لقاءات يومية بدءا من يوم الأحد 31 تشرين الأول ولغاية يوم السبت 6 تشرين الثاني، لتحديد موعد ومكان اجتماع القادة، بالإضافة إلى إقرار جدول العمل المقترح».
في اليوم التالي للاجتماع الأول، كما يتذكر كريم: «جاء رد الائتلاف الوطني متضمنا رأيه في أن جدول العمل المقترح يحتاج إلى مدة زمنية مفتوحة، بالإضافة إلى أن الكثير من الموضوعات المطروحة للنقاش قد تمت مناقشتها وبلورة رؤى مشتركة حولها».
ولذلك، وفقا لكريم، اقترح ممثلو الائتلاف الوطني الشيعي أن يتركز جدول العمل على النقاط السبع التالية
١- تحديد المرشحين للرئاسات الثلاث.
٢- تحديد موعد نهائي لاستئناف عقد الجلسة المفتوحة لا يتجاوز يوم 8/ 11/ 2010.
٣- مناقشة المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية.
٤- مناقشة تعديل النظام الداخلي لمجلس الوزراء.
٥- إعادة ربط المؤسسات الأمنية وفقا للدستور.
٦- التوافق على تشكيل هيئة المساءلة والعدالة بعد انعقاد جلسات مجلس النواب وضمان حسن عملها.
٧- استكمال مشروع المصالحة الوطنية.
وقائع الاجتماع وقلق المالكي
وبعد نقاشات التحضير الواسعة، يقول فخري كريم: «في يوم الاثنين، 8 تشرين الثاني 2010، عقد اجتماع أربيل وجمع كلا من مسعود بارزاني، وجلال طالباني، ونوري المالكي، وإياد علاوي، وعمار الحكيم، وعادل عبد المهدي، وإبراهيم الجعفري، إضافة إلى عدد آخر من قادة وممثلي الكتل، بينهم طارق الهاشمي وصالح المطلك وإياد السامرائي وحسن السنيد وخالد العطية وفالح الفياض وبهاء الاعرجي وسليم الجبوري وأخرين، بينما شارك عن التيار الصدري قصي السهيل، حيث لم يحضر السيد مقتدى الصدر إلى الاجتماع».
ويضيف: «كان أمام القادة حزمة من القضايا الخلافية بلغت 13 قضية، بينها تسمية الرئاسات الثلاث، والشراكة، والمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية، والمساءلة والعدالة، وصلاحيات رئيس الوزراء، والضمانات الدستورية».
ويتابع: «كان قد جرى اتفاق مسبق على تحديد موعد عقد جلسة البرلمان يوم الخميس القادم - أي بعد 3 أيام من انعقاد الاجتماع - على أن ينتخب جلال الطالباني رئيسا، ويكلف نوري المالكي بتشكيل الحكومة».
ويكشف كريم عن جانب من أجواء الاجتماع، يقول: «مع أن المالكي كان حاضرا في صورة الاتفاقات والترتيبات التي تم التوافق عليها بين القيادة الكردية والتحالف الشيعي، والموافقة الضمنية من مراكز القرار في القائمة العراقية حول مسألة توليه رئاسة الحكومة، لكنه ظل قلقا من موقف بارزاني الممتنع، حسب وجهة نظره، رغم أنني بددت هواجسه المشككة بإخباره أن عليه أن يكون على يقين بأن الرئيس مسعود يلتزم بما يقول، وستكون كلمته الافتتاحية حاسمة في تحديد الوجهة المتفق عليها، بما في ذلك تسمية الرئاسات وحسم المواقف بالنسبة إلى الملفات الخلافية التي صارت أوراق عمل، وتعليقات مختلف الأطراف عليها، وهي مطروحة لمزيد من النقاش والتصويت على ما يتفق عليه». ويضيف: «اقترحت على المالكي في حينها، قبل افتتاح الاجتماع، أن يؤكد على اللقاء المنفرد مع بارزاني لإبرام الاتفاق الثنائي حول القضايا العالقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، والعلاقة بين الطرفين والالتزامات المتبادلة بشأنها».
لكن المالكي، رغم ذلك، ظل قلقا. يروي كريم: «لم يهدأ المالكي حتى الدقائق الأخيرة قبل شروع بارزاني بإلقاء كلمته الافتتاحية، وكتب لي على قصاصة صغيرة: هل أنت متأكد؟ أطلع الرئيس طالباني على القصاصة، فأدار نظره صوب المالكي، وهو يومئ له مبتسما!».
ويتابع: «جاءت كلمة الافتتاح لتؤكد التوجهات المقررة فيما يتعلق بعقد جلسة البرلمان يوم الخميس وانتخاب الرئاسات».
ويكمل: «تناول المجتمعون المحاور المطروحة، وبعد جولة نقاش في أوراق العمل، تقرر نقل اجتماع القادة إلى بغداد، على أن تستمر اجتماعات ممثليهم بشكل متواصل، لحين الاتفاق على كل الأوراق التي تعالج جوهر الإشكاليات والخلافات التي تنطوي عليها أزمة العملية السياسية المتفاقمة».
وعند هذا الحد، يقول كريم: «انتهى اجتماع أربيل دون أن ينتهي من تسوية الصفقة النهائية». ويستدرك: «فقد دخل كل من المالكي وعلاوي الاجتماع وهما متمسكان بموقفيهما. وكان من بين تلك الخلافات حجم السلطة التي ستحصل عليها القائمة العراقية إذا قبلت بولاية ثانية للمالكي».
ثم يضيف: «رُحلّت الخلافات إلى اجتماع بغداد لاستكمال المفاوضات والبحث عن التوافقات والتسويات الممكنة».
ويتابع: «بعد رفع الجلسة الأولى لاجتماع القادة في أربيل، انفرد المالكي مع بارزاني في اجتماع مغلق، وتم التوقيع على صيغة اتفاق مشترك وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام لاحقا». ويؤكد: «لم تكن هناك ورقة أخرى سرية، خلافا لما نشرته بعض الصحف والأوساط السياسية المتحفظة والمعادية لإنهاء الأزمة الدستورية التي تواصلت لتسعة أشهر».
العقد الأخيرة قبل الاتفاق
بعد انتقال اجتماعات القادة من أربيل إلى بغداد، يقول فخري كريم: «تواصلت الاجتماعات على مدى بضعة أيام برعاية مسعود بارزاني، وبحضور قادة الكتل والأحزاب المشاركة. واستمر النقاش ليومين، وكان ينقطع بين فترة وأخرى لمعالجة خلاف ما، أو لمزيد من التدقيق في صيغة مطروحة حول قضية محددة، وكذلك للاتفاق على مرشحي القائمة العراقية لرئاسة مجلس النواب ومنصب نائب رئيس الجمهورية والمواقع الأخرى التي كانت قيادات القائمة تريد التوثق من حصولها عليها».
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلت خلال تلك الاجتماعات، يذكر كريم أن الاتفاق على الأوراق المحورية موضع الخلاف لم تكتمل، ويقول: «كان الخلاف، بشكل خاص، يتعلق بالهيئة القيادية المقترحة برئاسة إياد علاوي، والذي كان اسمه المقترح (المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية)، إذ ظل الخلاف قائما حول تركيبة المجلس وتوصيف موقع علاوي فيه. وكانت القائمة العراقية تريد أن تضم في قوامه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء».
ويضيف: «ظل الخلاف قائما أيضا حول طبيعة الهيئة، وما إذا كانت استشارية غير ملزمة، أو تتمتع - كما تريد قيادات القائمة العراقية - بصلاحيات تنفيذية ملزمة، وهو ما كان يعني، في نظر الأطراف الأخرى، وجود مركزي قرار أو حكومتين متنافستين».
وأمام استمرار الخلاف، يروي كريم: «قرر المجتمعون الاكتفاء بما جرى اتخاذه من قرارات، وما تم التصويت عليه من فقرات وردت في الأوراق التي قدمها الفرقاء المتحاورون، بعد التوصل إلى صيغ مقبولة بشأنها، على أن تؤجل القضايا التي ظلت خلافية إلى اجتماعات لاحقة».
ترشيح المالكي وتغير موازين التفاوض
ويعود كريم إلى محطة سبقت اجتماعات أربيل وبغداد، يراها أساسية لفهم موازين التفاوض التي حكمت تلك المرحلة، قائلا: «في الأول من تشرين الأول جرى التحول في الموقف من ترشيح المالكي، بعدما غير التيار الصدري موقفه الممانع وانضم إلى الأطراف المؤيدة لترشيحه».
ويتابع: «أعلن الائتلاف الوطني حسم الموقف من المرشحين الذين طرحتهم أطرافه طوال فترة الأزمة، باستبعاد كل من عادل عبد المهدي وأحمد الجلبي وطارق نجم، وترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، مستندا أساسا إلى دولة القانون ودعم التيار الصدري».
ويشير كريم إلى أن القرار لم يحظ، في حينه، بإجماع مكونات التحالف: «لم يشارك المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الفضيلة في تأييد القرار آنذاك، وهو ما عكس انقسام الائتلاف الوطني، الذي لم يكن موحدا خلف المالكي لحظة إعلان ترشيحه».
ويضيف: «أصبحت الكتلة الداعمة للمالكي تملك نحو 132 مقعدا، وظلت بحاجة إلى حلفاء للوصول إلى أغلبية برلمانية. وبذلك أصبح التحالف الكردستاني الصوت المرجح في المعادلة، خصوصا بعد انضمام الصدريين إلى دعم المالكي، وهو ما أعاد التفاوض مجددا للتأكيد على حزمة مطالب التحالف الكردستاني، وبشكل خاص المادة 140 والنفط والبيشمركة وغيرها. وفي المقابل، كانت القائمة العراقية تطالب بموقع تنفيذي يعكس فوزها بـ91 مقعدا».
ومن هنا، يقول كريم: «تبلورت معادلة تقوم على أن يتولى جلال طالباني رئاسة الجمهورية، ونوري المالكي رئاسة مجلس الوزراء، وتحصل القائمة العراقية على رئاسة مجلس النواب، فيما يتولى إياد علاوي رئاسة مجلس السياسات الاستراتيجية بصلاحيات واسعة».
التدخل الأميركي والتسوية الأخيرة
وفي مجرى المباحثات التي كانت تجري في بغداد، يتحدث كريم عن تصاعد الدور الأميركي في محاولة دفع الأطراف نحو التسوية، ويقول: «كان الضغط الأميركي يتصاعد عبر اتصالات مكثفة بالأطراف المتحاورة، وبشكل خاص مع علاوي والقادة الكرد. وشارك في هذه الاتصالات من واشنطن نائب الرئيس جو بايدن، مع تدخل مباشر من الرئيس باراك أوباما هاتفيا في المرحلة النهائية من المفاوضات».
ويضيف: «كان الهدف الأميركي المعلن الوصول إلى حكومة واسعة، وأمكن بعد هذا التدخل، وفي اللحظات الحاسمة من الحوار، التوصل إلى موافقة الدكتور إياد علاوي على التسوية المتعلقة بموقعه وما تحصل عليه القائمة العراقية».
وعن مضمون الاجتماعات والغاية السياسية منها، يقول كريم: «تناولت اجتماعات القادة في أربيل وبغداد كل القضايا العقدية والإشكاليات السياسية السلبية التي برزت في الدورة الأولى من ولاية المالكي، وكانت قد سبقتها لقاءات ثنائية عديدة بين الكتل والأطراف المشاركة في العملية السياسية وخارجها، بهدف وضع حد لإمكانية تحول تلك الإشكاليات إلى نهج ثابت للحكم، وإجهاض كل ما من شأنه عرقلة استكمال بناء الدولة الاتحادية الديمقراطية وإشاعة الحريات والالتزام بالدستور».
ويستدرك: «لمزيد من الضمانات الدستورية، اتفق القادة على صياغة أوراق عمل بشأن تلك القضايا، ومناقشتها والاتفاق عليها، لتكون نبراسا للحكومة المقبلة وبرنامجا لها».
أوراق الخلاف والضمانات
ويرى فخري كريم أن من الضروري التوقف عند أبرز ما ورد في أوراق العمل التي وُضِعتْ أمام القادة، وما دار حول بنودها من نقاش، وما جرى تثبيته من نقاط خلاف واتفاق.
يقول: «إن إضاءة هذه التوجهات، وما انعكس منها في الأوراق المذكورة، وما تضمنته من جوانب أساسية، تتيح المقارنة الموضوعية بين التعهدات والالتزامات التي جرى تناولها والاتفاق عليها، والمآلات التي انتهت إليها الدورة الثانية للمالكي، والتي تجسدت في بضعة مقولات للحاكم المختار: (ما ننطيها)، و(ولي الدم)، وتجاوز المبادئ الانتقالية الثلاث لما سمي بالعملية السياسية: التوافق والتوازن والشراكة».
ويضيف: «وضعت على طاولات القادة القضايا المذكورة، وخضعت لنقاشات مستفيضة من دون إنجاز الكثير منها، لا لضيق الوقت كما تحجج الائتلاف الوطني، وإنما بسبب الرغبة في التملص مما سيتم التوافق عليه.. حتى تحول العراق، على أيدي الطغمة الفاسدة و(مختارها)، صاحب صولات سقوط الموصل والمسؤول الاول عن تسليم ثلث مساحة البلاد لعصابات داعش وعن جريمة سبايكر، وعن استباحة كرامة الوطن بإشهار الولاء لغير الوطن، وتحقير قيم الوطنية ومفهوم المواطنة، وتكريس الفساد وتحويله إلى ثقافة مجتمعية، حتى انتهى العراق الجديد إلى ما لا يشبه حتى شبه دولة خربة».
وهو ما سيتناوله فخري كريم، باستفاضة في الأجزاء القادمة من شهادته.
ويتابع: «إن الحرص على إيراد آراء الأطراف الأساسية المشاركة يهدف إلى التعرف على مسيرة التحولات التي امتدت منذ إسقاط الاستبداد البعثي إلى انبعاث استبداد طائفي إسلاموي لا علاقة له بإرادة العراقيين، والانتباه إلى ما ستكون عليه وجهة تطور البلاد إذا لم تتضافر إرادة كل العراقيين».
ويعرض كريم أبرز ما ورد في أوراق الأطراف والقيادات التي شاركت في مبادرة مسعود بارزاني، وما دار بشأنها من نقاشات، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني «الشيعي»، والتحالف الكردستاني، والقائمة العراقية، والمجلس الإسلامي الأعلى.. كما يلي
الالتزام بالدستور والتوافق
كان الالتزام بالدستور موضع اتفاق بين جميع الأطراف، فيما تناولت ورقة التوافق آليات اتخاذ القرار في القضايا المختلفة.
ففي ما يتعلق بالقضايا المصيرية، مثل الحرب والسلم والاتفاقيات الاستراتيجية والتعديلات الدستورية، وردت الصيغة في الورقة بأن يكون التوافق عليها بنسبة ١٠٠٪، فيما اقترحت القائمة العراقية إضافة «تغيير المناهج التعليمية» إلى القضايا التي يشملها هذا الشرط.
أما القضايا الاستراتيجية والمهمة، فنصت الورقة على أن يكون التصويت عليها بأكثرية الثلثين، في حين حددت للقضايا الإجرائية اليومية أكثرية النصف زائد واحد.
ويقول كريم إن هذا المبدأ كان يفترض أن يسري على التحالف المشارك في تشكيل الحكومة، وأن يحكم مواقف كتله وأعضائها في مؤسسات الدولة، بما يشمل رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء والمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية.
التوازن في مؤسسات الدولة
وفي قضية التوازن داخل مؤسسات الدولة، وردت في الورقة صيغة تنص على «تحقيق التوازن بين مكونات الشعب العراقي في مؤسسات الدولة والجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وفق معايير الخبرة والمهنية والكفاءة والولاء للوطن والنظام الديمقراطي الاتحادي واحترام الدستور».
وطلبت العراقية إضافة فقرة تتعلق بـ«إعادة النظر في جميع التعيينات»، بينما تمسك الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني بإبقاء النص كما هو.
وفي ما يخص التعيين والتوظيف، تضمنت الورقة تفعيل الدستور والقوانين ذات العلاقة والإسراع في «تأسيس مجلس الخدمة العامة الاتحادي» الذي نص عليه الدستور وأقره مجلس النواب في فصله الأخير من تلك الدورة الأولى، على أن يتولى تنظيم شؤون الوظيفة العامة الاتحادية، بما فيها التعيين والترقية.
واقترحت العراقية إضافة عبارة «بعد تحقيق التوازن» إلى هذه الصيغة، في حين أيد الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني إبقاءها كما وردت.
وتناولت الورقة أيضا اعتماد معايير موضوعية للتعيين في دوائر الدولة تقوم على الاختصاص والكفاءة والنزاهة. وهنا رأت العراقية ضرورة إضافة عبارة «بما يحقق التوازن»، فيما رأى الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني أن تبقى الصيغة على حالها، وأن يتولى مجلس الخدمة العامة الاتحادي التعيينات وفقا لمعيار الكفاءة.
المسائل العالقة بين بغداد والاقليم
وكانت المادة ١٤٠ من الدستور في صلب القضايا العالقة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية. ونصت الورقة على «تطبيق المادة ١٤٠ من الدستور وتوفير الميزانية المطلوبة لتنفيذها خلال سقف زمني لا يتجاوز السنتين، وإلغاء جميع القرارات والأوامر والتعليمات والتوجيهات الصادرة لأغراض تغيير الواقع العرقي والطائفي، وإعادة الحدود الإدارية للمناطق المتنازع عليها، بضمنها كركوك، إلى ما كانت عليه قبل التغييرات التي حصلت لأسباب عنصرية أو طائفية».
أما العراقية فاقترحت اعتماد صيغة أخرى تقول: «تحل مشكلات المناطق المتنازع عليها حسب الدستور العراقي، مع التخصيصات المالية لهذه المناطق».
وبخصوص قوات البيشمركة، تضمنت الورقة «صرف سلف مالية خاصة لتغطية نفقات حرس الإقليم "البيشمركة" كجزء من منظومة الدفاع الوطني العراقية، ولحين تشريع قانون خاص ينظم تمويله وتسليحه وتجهيزه خلال الأشهر الستة الأولى من بدء مجلس النواب أعماله الاعتيادية».
ووافقت العراقية على المقترح، مشترطة خضوعه لمبدأ التوازن الوطني باعتبار البيشمركة جزءا من منظومة الدفاع الوطني.
كما تناولت الأوراق حقوق ضحايا النظام السابق وعائلاتهم، ونصت على إزالة العوائق التي تعترض إعادة حقوقهم ورد الاعتبار إلى ضحايا المقابر الجماعية وحلبجة والأهوار وعمليات الأنفال والتهجير القسري وأحكام الإعدام الجائرة والفصل السياسي من الوظيفة، على أن تغطى التعويضات من الموازنة العامة وتشمل الجميع.
وأعلنت القائمة العراقية موافقتها على الصيغة، مع طلب إضافة «تعويض المتضررين بعد ٢٠٠٣».
وفي شأن التعداد السكاني، نص المقترح على إجرائه في موعده خلال ذلك العام. وأبدت العراقية موافقتها بعد استكمال مستلزمات إجرائه المتعلقة بالمهجرين والنازحين والحدود الإدارية، مع انتظار جواب المحكمة الاتحادية.
ويقول كريم إن ملف المساءلة والعدالة كان من الملفات التي أظهرت تباينا واضحا في مواقف الأطراف.
فقد طرح الائتلاف الوطني، عند الاتفاق على تشكيل الحكومة، تجميد عمل الهيئة باستثناء الأمور الروتينية، والمبادرة إلى تشكيلها وفق القانون مع مراعاة التوازن فيها، إلى جانب إعادة النظر في قانون المساءلة والعدالة.
أما العراقية فكانت تطالب بتجميد عمل الهيئة وفق القانون الحالي، والتعامل مع الملف قضائيا بدلا من إدارته سياسيا.
وانتهت التسوية بين الأطراف إلى صيغة تنص على «إعادة النظر بقانون المساءلة والعدالة من خلال إجراء التعديلات ويتم الاتفاق عليها، لغرض عدم استخدام القانون بمعايير مزدوجة أو لأغراض سياسية، ويتم التعامل مع الملف وفق القانون».
لكن الخلاف بقي قائما حول توقيت تجميد عمل الهيئة. فالعراقية طالبت بتجميد عملها فورا، بينما طلب الائتلاف الوطني دراسة الموضوع، وهو الموقف الذي ذهب إليه أيضا التحالف الكردستاني والمجلس الأعلى.
وفي ما يتعلق بقرارات الهيئة السابقة، طالبت القائمة العراقية بمراجعتها جميعا لإنصاف غير المدانين ورفع الغبن عنهم. ورأى الائتلاف الوطني أن تواصل الهيئة أعمالها وفقا للقانون الحالي، مع إجراء تعديلات تعالج الثغرات التي تحول دون تطبيق العدالة. واعتبر التحالف الكردستاني أن تعديل القانون كفيل بمعالجة النواقص، فيما دعا المجلس الإسلامي الأعلى إلى التعامل مع الموضوع وفقا للقانون.
وامتد الخلاف إلى مدة عمل الهيئة. فقد اقترحت العراقية إنهاء عملها خلال ثلاث سنوات، بينما رفض الائتلاف الوطني تحديد مدة زمنية، وطرح صيغة تقضي بأن «تسعى هيئة المساءلة والعدالة لإكمال أعمالها وإنجاز كل الملفات لغرض تنفيذ الفقرة الثانية من المادة ١٣٥ من الدستور»، التي تمنح مجلس النواب صلاحية حل الهيئة بعد انتهاء مهمتها بالأغلبية المطلقة.
أما المجلس الإسلامي الأعلى فرأى أن تحديد سقف زمني لعمل الهيئة يحتاج إلى رأي خبراء، وهو اتجاه قريب من موقف التحالف الكردستاني الذي دعا إلى الاستعانة بخبراء مختصين لتحديد كيفية إنهاء عملها.
وطالبت العراقية أيضا بإلغاء قرارات الهيئة بحق صالح المطلك وظافر العاني وراسم العوادي. ورأى الائتلاف الوطني أنهم غير مشمولين بهذا الموضوع، فيما طلب التحالف الكردستاني والمجلس الأعلى إحالة القضية إلى اجتماع القادة.
التشريعات وتفسير الدستور
وفي ملف تفسير الدستور، رأى الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني ضرورة الالتزام بالتفسيرات الصادرة عن الجهة المختصة بتفسير بنوده.
أما العراقية والمجلس الأعلى فطالبا بإعادة النظر في المدلول القانوني لمفهوم الأغلبية و«الكتلة الاكبر»، وفق تفسير المحكمة الاتحادية التي ستشكل وفقا للمادة ٩٢ من الدستور.
وبشأن التشريعات، اتفقت الأطراف على وضع سقف زمني لإقرار القوانين التي أوجب الدستور تشريعها ولم تكن قد شرعت بعد، على أن يجري ذلك بالتنسيق بين الدائرة البرلمانية واللجنة القانونية واللجان البرلمانية المختصة من جهة، ورئاسة مجلس النواب والكتل السياسية من جهة أخرى.
وشملت الأولويات قانون المحكمة الاتحادية، وقانون النفط والغاز، وقانون المصالحة الوطنية، وقانون تنظيم الأجهزة الأمنية، وقانون الأحزاب، وقانون مجلس الاتحاد، وقانون الانتخابات، وقانون مفوضية الانتخابات، وقانون شبكة الإعلام، وقانون هيئة النزاهة، وقانون المفتشين العامين، وقانون ديوان الرقابة المالية، وقانون هيئة التوازن، وقانون الإيرادات الاتحادية، وقانون السلطة التنفيذية، وقانون العمل الصحفي وحماية الصحفيين.
واقترحت القائمة العراقية أن يضاف إلى هذه التشريعات قانون ينظم صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة.
الدور الرقابي والإصلاح القضائي
وفي ما يخص تعيين قادة الفرق العسكرية والدرجات الأمنية الخاصة التي تستلزم مصادقة مجلس النواب، طرحت مسألة إعادة النظر بهذه التعيينات بما يضمن التوازن والولاء الوطني.
ورأى الائتلاف الوطني أن يعرض المرشحون لقيادة الفرق العسكرية والدرجات الأمنية الخاصة على مجلس النواب، بما يضمن التوازن والولاء والكفاءة، ووفقا لما أقره الدستور.
وفي ملف الإصلاح القضائي، أثارت المحكمة الجنائية المركزية خلافا بين الأطراف. فقد طالبت العراقية بإلغاء الأمر ١٣ لسنة ٢٠٠٣ الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة والمتضمن تشكيل المحكمة، معتبرة أنه يتعارض مع الدستور والنظام القضائي العراقي.
في المقابل، رأى الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني أن تشكيل المحكمة الجنائية وإنهاء عملها مسألة دستورية، وطالبا بسرعة إنجاز أعمالها.
وظهر خلاف مماثل بشأن المناصب القضائية العليا. فالعراقية دعت إلى الاتفاق على شاغلي مناصب المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز، مع مراعاة الشروط الواجب توافرها عند الترشيح.
أما الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني فتمسكا باستقلال القضاء، ورفضا إخضاع هذه المناصب للتوازنات السياسية.
الملف الأمني وصلاحيات القيادة العامة
وفي ملف القيادة العامة للقوات المسلحة، طرحت القائمة العراقية صيغة تقصر مهمة القيادة العامة على زمن الحرب، بهدف تنسيق الجهد العسكري بين الوزارات المعنية وبقية موارد الدولة، مع احتفاظ كل وزارة، ولا سيما وزارتي الدفاع والداخلية، بصلاحياتها وفقا للقوانين النافذة.
وتضمنت رؤيتها أيضا اعتماد لائحة داخلية متفق عليها تحدد المهام والصلاحيات والارتباطات، وأن يكون نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية نائبا للقائد العام للقوات المسلحة، مع منح القائد الأعلى، رئيس الجمهورية، دورا في قيادة القوات المسلحة.
أما في قضية الاستراتيجية الأمنية، فاقترحت القائمة العراقية «تبني استراتيجية أمنية متفق عليها وطنيا توقع من قبل المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية وتقترن بمصادقة مجلس النواب»، فيما اكتفى الائتلاف الوطني بصيغة «تبني استراتيجية أمنية متفق عليها وطنيا».
وتركز خلاف آخر حول الجهة التي تتولى تنفيذ هذه الاستراتيجية. فقد أرادت القائمة العراقية أن يكون المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية هو جهاز التنفيذ، بديلا من مجلس الأمن الوطني.
في المقابل، تمسك الائتلاف الوطني بمجلس الأمن الوطني، على أن تتخذ القرارات داخله بالتصويت، ويرأسه القائد العام للقوات المسلحة، وتضم عضويته وزراء الخارجية والداخلية والأمن الوطني والعدل ونائب رئيس الوزراء وجهاز المخابرات.
واقترحت العراقية أيضا تشكيل هيئة وطنية للمتابعة والمراقبة ترتبط بالمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية، وتكون مهمتها تقييم أداء المؤسسات الأمنية وضمان مهنيتها ومنع تسييسها وتجاوزاتها على حقوق الإنسان. ورفض الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني هذا المقترح.
وبخصوص التعيينات الأمنية السابقة، طالبت العراقية بـ«مراجعة» تلك التعيينات بما يحقق التوازن الوطني، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والحرفية، فيما استخدم الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني صيغة «تقييم» التعيينات الأمنية السابقة وفق المعايير ذاتها.
وتكرر الاختلاف نفسه في قضية التنقلات التي جرت داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. فالعراقية طالبت بإعادة النظر فيها، بينما دعا الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني إلى تقييمها.
كما طرحت العراقية معالجة أوضاع منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة، ولا سيما الأمن والمخابرات، ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين.
وفي قضية انتشار القوات المسلحة، طالبت العراقية بوضع خطط وجدول زمني لنقل قوات الجيش للعمل خارج المدن وإنهاء مهمات قيادات العمليات، انطلاقا من موقفها الذي عد هذه القيادات غير دستورية.
أما الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني فطرحا أن يتولى مجلس الأمن الوطني وضع برنامج لنقل القوات المسلحة خارج المدن والقرى بما يتفق مع الدستور، مع تجنب ترك ثغرات أمنية تضر بحماية الأمن.
وفي ما يتعلق بتطبيق الضوابط الواردة في قانون الخدمة والتقاعد المرقم ٣ لسنة ٢٠١٠ على منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية وأمر سلطة الائتلاف رقم ٩١، طلبت العراقية إضافة شرط يراعي «التحصيل الدراسي والعمر واللياقة الصحية والبدنية».
أما لجنة الضمانات، فقد وُضِعتْ مجموعة من المبادئ والإجراءات التي يفترض أن تكفل تنفيذ الاتفاقات التي توصلت إليها القوى السياسية.
وفي مقدمتها الالتزام بالدستور والقوانين، على أن يكون القرار النهائي للمحكمة الاتحادية عند حصول خرق دستوري في أية مؤسسة، إلى جانب الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات.
وتضمنت الورقة أيضا تطبيق مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية من خلال المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية، والنظام الداخلي لمجلس الوزراء، ووثيقة التوافق والتوازن.
كما اقترحت تشكيل لجنة تحكيمية من القادة لمعالجة المشكلات الناتجة عن عدم تطبيق الاتفاقات. ورأت العراقية والمجلس الأعلى أن تتولى معالجة هذه المشكلات جهة أخرى هي المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية.
وتضمنت الضمانات التزام جميع الأطراف بتحسين الوضع الأمني وتقديم الدعم اللازم، واتخاذ إجراءات سريعة تحددها الكتل المشاركة بهدف تعزيز الثقة.
كما نصت على أن توقع الاتفاقات من قبل زعماء الكتل باعتبارها «وثيقة شرف»، وأن تودع نسخها النهائية لدى المحكمة الاتحادية والمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية.
واقترحت الورقة كذلك إجراء تقييم دوري، كل ستة أشهر، لمدى تنفيذ الاتفاقات السياسية بين الكتل، على أن يتولى المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية هذه المهمة.
أما في حال إخلال الحكومة بالاتفاق، فقد تضمنت إحدى الصيغ أن تقوم الكتل الأخرى بتشكيل أغلبية سياسية والعمل على سحب الثقة من الحكومة في مجلس النواب.
وعند مناقشة هذه الصيغة، رأى الائتلاف الوطني والمجلس الأعلى أن الحديث ينبغي أن يكون عن «ثلاث كتل كبيرة، وليس أربع كتل».
أما العراقية فطرحت صيغة تقضي بأنه «في حالة انسحاب أية كتلة من بين الكتل الأربع الكبيرة من الحكومة، يتم منح الثقة للحكومة من جديد».
وذهب التحالف الكردستاني إلى صيغة أشد وضوحا، نصت على أن «تعتبر الحكومة مستقيلة في حالة انسحاب المكون الكردي من الحكومة بسبب خرق دستوري واضح أو عدم تنفيذ البرامج المتفق عليها».
جلسة البرلمان وانتخاب الرئاسات
وهكذا انعقدت جلسة مجلس النواب في الموعد المتفق عليه، بعد تأخير استمر ساعات عدة. وجرى في بدايتها التصويت على انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، قبل الانتقال إلى انتخاب رئيس الجمهورية.
يقول فخري كريم: «ما إن طرح ترشيح رئيس الجمهورية، حتى انسحب غالبية نواب القائمة العراقية احتجاجا على عدم التصويت على إلغاء قرار الاجتثاث بحق ثلاثة من أعضائها».
ويضيف أن الحاضرين اعتبروا الانسحاب «تكتيكا انتهازيا مريبا يخفي نوايا أخرى»، هدفه مواصلة الضغط وإعادة تدوير الأزمة، بعد أن ضمنت العراقية، بانتخاب رئيس مجلس النواب، موقعها الدستوري الأبرز في الجلسة. وبحسب كريم، كان القائمون على الانسحاب يتوهمون أن خروج نواب العراقية سيؤدي إلى فقدان النصاب، ويحول دون انتخاب رئيس الجمهورية.
لكن المناورة، كما يروي، فشلت بعدما تبين أن عدد النواب المتبقين في القاعة يتجاوز العدد المطلوب دستوريا لانتخاب الرئيس، وأن الجلسة قادرة على مواصلة أعمالها.
ويقول كريم إن رئيس مجلس النواب عاد إلى قيادة الجلسة بعدما قيل له إن النواب الذين انتخبوه ما زالوا حاضرين، وإن الجلسة تحتفظ بالنصاب الكافي الذي يمكنها، إذا اقتضى الأمر، اتخاذ قرار بإقالته أو إبطال انتخابه. ويضيف أن اتصالا من السفير التركي معه أسهم أيضا في إعادته إلى الاجتماع.
بعد ذلك، مضت الجلسة في انتخاب رئيس الجمهورية، فانتخب جلال طالباني، رئيسا، وأدى اليمين الدستورية، ثم ألقى كلمة موجزة أشار فيها إلى إنه سيكلف نوري المالكي بتشكيل الكابينة الوزارية الجديدة، بعد التشاور مع قادة الكتل البرلمانية.
ويكشف كريم أن هذا الأمر كان موضع حديث مسبق بينه وبين المالكي، ويقول: «كان المالكي قد أبلغني برغبته في صدور كتاب التكليف وعدم إعلانه لاعطائه مدىً زمنياً اطول للمشاورات خشية تعثرها وعدم إنجازها فى الوقت الذي الزمه الدستور. فأعلمت الرئيس طالباني بذلك. ووقع الرئيس كتاب التكليف، وحملته معي إلى مجلس النواب قبل قدومه، وأطلعت المالكي عليه ' وبعد انتخاب الرئيس اشار في كلمته الموجزة انه سيكلف الدكتور نوري المالكي لاحقاً بعد مشاوراته مع رؤوساء الكتل البرلمانية ».
وإلى الولاية الثانية، وكيف نكث المالكي وعوده والتزاماته.. تنتقل الشهادة في جزئها القادم.
المصدر: المدى
