نبأ العراق
في أواخر أيام معرض الكتاب، اقتنيت كتاب "مجزرة قصور صدام". كان الكتاب أثقل على نفسي من الكتب الأخرى التي وضبتها في الحقائب مجتمعة، لأن شعوراً ما كان يخبرني بأن هذه الصفحات تنطوي على مواجع أهرب منها، تتداعى في نفسي وجوه الضحايا الشاحبة بملابسهم الرياضية، والأجساد الملقاة في النهر، والدموع التي تنزّ من فقد الأمهات.
مرّ أكثر من 12 عاماً على مجزرة "سبايكر"، ويبدو أن أثرها يتراجع خارج صدور ذوي الراحلين والمفقودين، فيما تحتكر إحياء ذكراهم مؤسسات تستهدف إثارة النعرات الطائفية والتخويف لأغراض سياسية
هل يجب أن نقرأ كل ما يحيط بالمجازر التي ارتكبها داعش؟ هل يجب أن نتذكر ويلات "سبايكر" وسنجار و"الخسفة"؟ ولماذا يكون التذكر واجباً؟ وعلى من يقع هذا الواجب؟ أسئلة كثيرة أطرحها على نفسي وأنا أفكر بمفهوم "واجب التذكر"، الذي اكتسب رواجاً في الغرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ضمن التأملات حول كيفية الرد على الإبادة النازية لليهود والغجر.
مرّ أكثر من 12 عاماً على مجزرة "سبايكر"، ويبدو أن أثرها يتراجع خارج صدور ذوي الراحلين والمفقودين، فيما تحتكر إحياء ذكراهم مؤسسات تستهدف إثارة النعرات الطائفية والتخويف لأغراض سياسية.
هل أُشبعت المجزرة بحثاً ونقاشاً فكرياً، بعيداً عن المناحة وإلقاء الشتائم؟ ما مسؤولية المشتغلين بالفلسفة والعلوم الإنسانية إزاءها؟ متى تصبح الفاجعة نفسها موضعاً للمعرفة والفحص والفهم؟ وإن لم تكن المآسي الكبرى باعثاً للتناول المعرفي وفن الفهم فما مبررات عملها؟
لماذا لم نتعامل مع هذه الإبادة كما فعل الغربيون مع "الهولوكوست"؟ هل أذهب بعيداً وأحلم بذلك؟
لكن ماذا نذكر أصلاً عن المجزرة؟ ماذا ستتذكر الأجيال الجديدة؟ هل يمكن لنقاش فكري أن يتم دون الكشف عن وقائع الكارثة بتفاصيلها الدقيقة؟ بالطبع لا.
في عامها الثالث عشر، يقدم لنا الكاتب قيس حسن فرصة ثمينة لإعادة النظر في تفاصيل هذه الكارثة، في تحقيق موسع عن الإبادة. فرصة لقراءة الكتاب والرد عليه وإثارة الإشكالات، وتتبع الخيوط مرة أخرى، والغوص في التفاصيل الدقيقة.
وإذا كان التذكر يفضي بنا إلى طريق نتجنب به تكرار مثل هذه الفواجع بحسب النظرية الأخلاقية العواقبية، فإن هذا التحقيق، الذي امتد إلى 392 صفحة، يعيننا على فهم الظروف التي أدت إلى المجزرة، بدءاً مما أحاط بسقوط الموصل من تقصير أمني وفساد إداري وتخاذل برلماني، وصولاً إلى المتعاونين والمتعاطفين والممولين للتنظيم.
قد يُصور تنظيم داعش على أنه جسم سرطاني غريب، دخل وتفشى في هذه الخريطة، ثم جرى استئصاله. لكنه، كما ينبهنا الكتاب، وليد ظروف وأخطاء قد يفضي نسيانها إلى كوارث جسيمة قابلة للتكرار، وهو ما تشدد النظرية العواقبية عليه: "يجب وضع الأخطاء في سياقها -شرح أسبابها السياسية والاجتماعية والمؤسسية- بحيث يمكن اتخاذ إجراءات بناءة لمنع تكرارها"… "ولا يمكن أن يحدث هذا إذا خُنِقَت ذاكرة تلك الأحداث أو قُمِعَت". (انظر: مرجع روتلدج في فلسفة الذاكرة، ابن النديم للنشر والتوزيع).
يتتبع كتاب "مجزرة قصور صدام" أرقام الضحايا ويشير إلى أن الرقم 1700 الذي ارتبط بذاكرة العراقيين عن هذه الجريمة أقل من العدد الرسمي
يبدأ الكتاب، منذ عتبته الأولى، بخلخلة التصورات الشائعة عن المجزرة، التي سميت اختصاراً بمجزرة "سبايكر"، نسبة إلى القاعدة العسكرية التي خرج منها الجنود المتطوعون راجلين، وقادتهم الخطى بمشيئة التنظيم نحو موتهم المحتوم في القصور الرئاسية. لذلك يرتئي الكاتب أن التسمية الأفضل هي "مجزرة قصور صدام"، ويفصل في عدة صفحات لماذا كان اختيار قصور صدام موقعاً مقصوداً، رغم أن المكان لم يتسع للمقابر الجماعية لهذا العدد الغفير من الضحايا. ويشرح علاقة قيادات البعث بالتنظيم الإرهابي، وأبرزهم "أبو مسلم التركماني" و"عدنان البيلاوي" و"وسام الزبيدي" و"أبو عمر العبيدي" وغيرهم، ثم يخلص الكاتب إلى أن المجزرة "كانت ثأراً لصدام حسين".
يتتبع الكاتب أرقام الضحايا، ويشير إلى أن الرقم 1700، الذي ارتبط بذاكرة العراقيين عن هذه الجريمة، أقل من العدد الرسمي الذي توصل إليه المركز الوطني لتوثيق جرائم التطرف هو 2157 موزعين على المحافظات العراقية.
يأتي العدد الأكبر منهم من محافظة بابل، بـ417 ضحية، وأقلهم من الأنبار، بثلاثة ضحايا. يتوقف الكاتب عند هوية الضحايا وأعمارهم، ويطرح تساؤلاً يبدو غريباً للوهلة الأولى: "لماذا البصرة (11 ضحية) وهي الثالثة من حيث عدد السكان، من بين الأقل في أعداد الضحايا؟". ثم يجيب عنه في موضوع منفصل في الصفحة 217، بعنوان "الزبائنية"، وهو من أشد المواضيع مرارة في الكتاب.
يجيب الكاتب، تحت هذا العنوان، عن سؤالين: من هم الجنود المتطوعين ضحايا المجزرة؟ ولماذا كان عددهم كبيراً؟ ويذهب إلى أن المسألتين الأساسيتين في كشف قصة هؤلاء تتصلان بأنبوب النفط المار بين الموصل وصلاح الدين، الذي تعرض لاستهدافات متكررة، بمعدل عملية إرهابية كل أسبوع في عام 2013، حتى أدت إلى توقفه عن تصدير النفط، وما أعقب ذلك من مطالبات لتأمينه.
يذكرنا الكتاب، بما يفتحه من أسئلة عن الأخطاء العسكرية والإدارية والسياسية التي أدت إلى هذه الجريمة، بأن هناك مسؤولين آخرين غير الذين نفذوها بأيديهم، لم يُحاكموا ولم يُحاسبوا
أما المسألة الثانية، فهي تأخير تشكيل أفواج خاصة بحماية أنبوب النفط إلى عام 2014. وبحسب الكاتب، لا يمكن تفسير هذا التأخير إلا من زاويتين: "الإهمال" أو "الزبائنية"، أي "استخدام ورقة التعيينات كشكل من أشكال الدعاية الانتخابية".
ومن هنا يعود إلى سؤال البصرة، ليجيب بأنها لم تدخل وقتها في سباق استخدام الوظائف الأمنية لأغراض الدعاية الانتخابية.
ولأن من الواجب تذكر الأحياء كما الأموات، أعني أولئك الذين مدوا يد العون للجنود الهاربين، مجازفين بأنفسهم وعوائلهم، يتوقف الكاتب عند هذه البطولات في صفحات مؤثرة.
كما يتوقف عند شهادات مرتكبي المجزرة، الموقوفين في سجن "الحوت" ومن أُعدموا هناك، وعند شهادات الناجين وأسر الضحايا. وهذا كنز ينتظر المنقبين بمناهجهم المختلفة لدراسته وتحليله.
لا تزال "الزبائنية" معمولاً بها في العراق، والظروف التي مكنت تنظيم داعش من السيطرة على الموصل قد تكون موجودة في محافظات أخرى. هل نحتاج إلى أكثر من هذه المجازفات بحياتنا لكي نسأل: لماذا يجب أن نتذكر؟
ينتظر المحكومون الإرهابيون دورهم للوصول إلى مقصلة الإعدام، لكن الكتاب، بما يفتحه من أسئلة عن الأخطاء العسكرية والإدارية والسياسية التي أدت إلى هذه الجريمة، يذكرنا بأن هناك مسؤولين آخرين غير الذين نفذوها بأيديهم، لم يُحاكموا ولم يُحاسبوا. وما دمنا ننسى ونتغافل، فإن جريمة بهذه الفداحة قد تتكرر مستقبلاً.
من منظور المذهب الواجبي، يمكن تسويغ التذكر في بعض الظروف على أنه شرطٌ للعدالة، أو "واجب العدالة التصحيحية"، الذي ندين به للضحايا والناجين. ووفق هذا المنظور فإن التذكر "سيكون واجباً يتساوق مع مبدأ أخلاقي ما مثل: لا تسمح للظلم بالمرور دون الاعتراف به أو تصحيحه".(مرجع روتلدج في فلسفة الذاكرة)
المفقودون، المنسيون، أولئك الذين لم يُعثر على رفاتهم بعد، والذين عُثر على أشلائهم، لم يحصلوا على العدالة بعد، ونحن نقتلهم بالنسيان.
المصدر: ألترا عراق
