يقول مظفر النواب: (( نهنهي الليل على كتفي بستان اللوز وكان الصمت نبي, خافتة من زمني الطفلي على البعد بكت وتغمدني برحيم الريحان أبي, ولقد يسكنني الطل فأسكن أو يتحرك بالرفع قميصي أو أكسر بعض العشب, وحماري يترك في الليل مجرة حزن بيضاء يخوض في العشق يشاركني طربي, طرب بالكون ومن لا يطرب بالكون غبي )), هاهو يستهل مقطوعته الشاعرية بشحنة وجدانية كثيفة, تستحضر بشكل شفيف حواس الذاكرة والرؤيا, فيقول: (( نهنهي الليل على كتفي بستان اللوز وكان الصمت نبي )), وتتجسد فرادة الاستهلال في توظيف المادة اللغوية (( ن هـ ن هـ )) إذ ينفتح فعل (( نَهْنَه )) في المعاجم العربية على دلالات متعددة تتراوح بين الردع والكفّ والتهدئة, كما في قولهم: (( نَهْنَهَهُ عن الأمر أي كَفَّهُ ووَازَعَهُ )), وبين صوت التسكين أو التردد والسعال الخفيف, كما يُقال للمُلاءة أو الثوب (( نَهْنَهٌ )) إذا كان رقيق النسج, خفيف الجرم.

إنّ هذا التنوع المعجمي يمنح المفردة عند النواب بُعدًا مجازيًا مركبًا, فالنص لا يكتفي بمنع الليل أو زجره, بل ينسج منه ثوبًا خفيفًا يسكن كتف الشاعر, ويُربّت على ثقل الحزن بجوار (( بستان اللوز )) ليتعانق الصمت والطفولة والغياب في مشهدية واحدة, ولنجد معانٍ أبعَد وأعمق لمفردة (( النهنهة )) وسياقها في النص إلى جانب المعاني المباشرة (( الكف والزجر والسعال )), فيمكن استخراج دلالات وأبعاد سياقية أخرى للكلمة تدعم القراءة الأدبية

اولا: التربيت والهدهدة – التسكين والتهدئة – حيث تُستخدم النهنهة في بعض أساليب الفصحى والدراجات الرافدية بمعنى (( هدهدة الطفل لتنويمه )) أو مساكنته وإسكاته بلطف, وفي النص, الشاعر يضع الليل على كتفه كما يُوضع الطفل الرضيع للتهدئة, فالليل ليس مجرد زمان, بل كائن يُهَدْهَدُ ويُستسكن عند بستان اللوز.

ثانيا: الرقّة والشفافية – من الثوب النهنه – ومعنى الثوب النهنه أي الخفيف الرقيق, يُسقط على الليل طابعًا شفيفًا لا ظلامًا ثقيلًا, فالليل هنا ثوبٌ رقيق من الغيم أو الندى, يلامس الكتف ولا يضغط عليه.

ثالثا: الكفّ والتردد النفسي, النهنهة كـ (( تأخير أو حَبْس للنَفَس )) تعكس حالة الشاعر بين الرغبة في التعبير وحالة (( الصمت الذي كان نبيًا )), فالكفّ والزجر هنا هما كفُّ للنفس عن العويل, والاستعانة بالصمت الوقور والرحمة الأبوية التي تمثلت في (( رحيم الريحان )).

رابعا: صوت التنهد الخافت, ترتبط النهنهة بـ (( النَهِيد )) و(( النهنهة في البكاء )), وهو الصوت الذي يتردد في الصدر عند حبس الدمع, وهذا يتسق تمامًا مع البيت التالي: (( خافتة من زمني الطفلي على البعد بكت )), وكأن النهنهة هي الاستجابة الصوتية الدفينة لذلك البكاء الطفولي البعيد.

تكتسب (( النهنهة )) عند مظفر النواب خصوصية استثنائية, فهي مفردة مشحونة بالنبرة العراقية الدفينة, ومحملة بذاكرة الجنوب ومناخات الطفولة البعيدة, حيث تتداخل الشفافية الوجدانية مع الحزن الصوفي الشفيف, غير أن السريان الرمزي للكلمة عند النواب يتجاوز المعنى المعجمي المجرد ليتصل بنفسية الشاعر ومحيطه الرافدي, فهو يمارس (( النهنهة )) بوصفها هدهدة وتسكينًا لليلٍ موجوع, كمن يضع طفلاً على كتفه ليربّت عليه ويُهدئ مناحَبه, لتتحول هذه الحركة إلى فعل حنان صوفي يتعانق فيه ثقل الشجن مع رقّة بستان اللوز.

كما إن النهنهة هنا ليست زجرًا قاسيًا, بل هي خفوت الصوت وتردده في الصدر عند حبس البكاء – وهو ما يُعرف في البيئة العراقية بالترديد الروحاني الدفين الذي يسبق النشيج – لتصبح المفردة تمهيدًا سيمفونيًا لبكاء الطفولة الخافت (( خافتة من زمني الطفلي )), وتوطئة لاستحضار الأب الشفيق ونفحات (( الريحان )) وسط صمتٍ له جلال الأنبياء ونبوءة الشعراء.

في المأثور الشفاهي العراقي, (( النهنهة )) هي التهدئة الحنونة للطفل أو المحزون, ودعوته للسكون والهدوء بعد الفزع أو البكاء, والشاعر هنا لا يتعامل مع (( الليل )) كظرف زماني ثقيل, بل ككائن حي يحمله على كتفه ويناغيه ليخفف عنه وعن نفسه وطأة الغربة, وان ارتباط النهنهة بـ (( وكان الصمت نبي )) يعكس مكابدة النفس, فالنهنهة كحبس للأنفاس والزجر الذاتي تشبه حالة السالك الصوفي الذي يكفّ لسان المقال ليستمع إلى لسان الحال, فالصمت نبيٌّ يقود الشاعر إلى حالة تجلٍّ تنفتح فيها أبواب الذاكرة الأولى.

الانتقال من الحزن الدفين إلى البهجة الكونية عندماتبدأ المقطوعة بالنهنهة والبكاء الخافت ومجرة الحزن البيضاء التي يتركها الحمار, لكن هذه النهنهة تُصفّي الروح وتغسلها بالندى (( الطل )), لتنتهي المقطوعة بالانعطافة الكبرى نحو العشق والتناغم مع الكون (( طربٌ بالكون ومن لا يطرب بالكون غبي )), وكأن النهنهة كانت المخاض الضروري للوصول إلى هذا الطرب الكوني الشامل.

تكتمل المشهدية الشاعرية عند مظفر النواب عبر مصفوفة من الصور المتداعية, حيث تتظافر عناصر الفطرة, والذاكرة, والتأمل الصوفي, لترسم لوحة وجودية تنتقل بالروح من لحظة الحزن الدفين إلى نشوة الاتصال بالكون, ولو تابعنا مفاتيح التحليل الجمالي والرمزي للصورة الشاعرية, مثل الريحان والأبوة (( الغطاء الروحي )), فأن استخدام الفعل (( تغمدني )) يحمل معنى الإحاطة والتغليف الشامل, لكن الغمد هنا لم يكن من حديد بل من (( رحيم الريحان )) ليجمع الشاعر بين صلابة الحماية الأبوية ورقّة النفحات العطرية التي تُعيد للشاعر أمانه المفقود.

تجمع مجرة الحزن البيضاء – المفارقة الجمالية – الصورة بين متناقضين, الأرضي الهامشي (( الحمار وخطواته )) والتصاعد السماوي المطلق (( المجرة واللون الأبيض )), إنه إسباغ للقداسة والجلال على الكائنات البسيطة التي تقاسم الشاعر عذاباته وشجنه, ثم الثنائية بين السكون والحركة, حين يتدرج النص بين أعلى درجات السكون (( وكان الصمت نبي )), (( يسكنني الطل فأسكن )), وأعلى درجات الحركة الوجدانية (( يخوض في العشق )), (( طرب بالكون )), وكأن السكون والصمت هما الشحن الروحي الضروري للانطلاق نحو الطرب الكوني.

المصدر: كتابات