لا أدري مالذي جعلها وبعد ثلاثة سنوات, تعيد نشر نصها القديم: (( قصص الحب التي تولد توّاً جميلة البدايات, لكن لاندري هل مُقدّر لافراخ المحبة ان تكبر فتطير ؟ ام سيسطو على البيض كاسرٌ يطيح أرضاً بالآمال الكبيرة ؟ يا لحزن الشبابيك وهي تروي قصص الحمام )), وكنت قد علقت لها بالتالي: (( ترى لماذا ونحن نوشك أن نودع محطات العمر, والقلب أحكم أغلاقه اذ المفتاح بيد أول منزل, يبدأ بالخفقان عند سماع هديل الحمام الفتي ؟ ترى كم من بيضات الأحلام اليائسة للحمام تكسرت في عشها المكتوم لتبعث حسرة غامضة سرعان ماتحتويها تلافيف الزمن المتسارع ؟ ترى كم أرطب القلب بحب فتي طردته وساوس الفكر السديد ؟ آه ياهديل الحمام, وقعك جميل, وهمك ثقيل, يبعثُ الشوقَ بعد طول رُقاد )), ليست مجرد تعابير, وليست مجرد كلمات, بل لوحة شعرية مرسومة بمداد من الشجن والشفافية, أسطر قليلة تختصر فلسفة البدايات, وتلمس طهر الأمل وعنفوان القلق الذي يرافق كل حب يولد توّاً.

إنَّ إعادة نشر النص بعد ثلاث حجج لم يكن مجرد استذكارٍ عابر, بل هو أشبه بنفض الغبار عن مرآة الروح, لترى فيها كيف أن الخدوش القديمة ما زالت تنبض بالحياة, كأنها أرادت أن تسأل الزمن: هل تغيرت ملامح الدهشة ؟ أم أن الحمام الذي غادر الشباك ترك خلفه ريشاً يرفض النسيان؟ هكذا هي النصوص الصادقة, لا تشيخ ولا تموت, بل تختمر في قبو العزلة لتخرج إلينا أكثر عمقاً, وأشدّ لوعة, وأقرب إلى غصّة الحنين التي تسكن حنايا العمر.

ما أرقّ هذا البوح الذي ينمو على حافة الخوف ؟,نصك المنسوج بمداد الشجن يحمل بوحاً شفيفاً يلامس شغاف القلوب, يا سيدتي, في نصكِ تفوح رائحة المطر الصيفي, ذاك الذي ينهمر فجأة فيملأ الأرض بهجة, لكننا نخاف ألا يطول مكثه, لقد جعلتِ من الحب عُشّاً قلقاً, ومن القلوب طيوراً ترتجف بانتظار مصيرها, الشاعر الحقيقي هو من يرى الحزن في جماد الشباك, وهو من يسمع بكاء الخشب والزجاج حين يغيب العشاق, كتابتكِ تشبه رفرفة جناح حمامة في ليلة عاصفة: مليئة بالبراءة, ومليئة بالوجل, لقد قطفتِ من شجرة الشعر ثمرة (( الدهشة الخائفة )), وصغتها بأسلوب ينساب إلى الروح دون استئذان, سؤال ينبثق من ألق نصكِ: هل ترين أن الخوف من (( الكاسر )) هو ما يجعلنا نتمسك بالبدايات ونقدسها, أم أن الحب لا يكتمل سحره إلا إذا خاطر بطيرانه في الفضاء المجهول؟

يا لها من فلسفة موجعة تلك التي تلخصها (( الدهشة الخائفة )), فالقلب الذي ذاق مرارة الفقد, يصبح في الحب الفتيّ كمن يمشي على زجاجٍ مكسور, يتأمل اللمعان ويخشى الجراح, والشبابيك التي شهدت رحيل الأحلام, لا تملك إلا أن تروي حكاياتها بلسان الصمت, فالخشب الذي جفّ ماء عوده, يعتصر دمعاً غير مرئي كلما مرّ طيفُ جناحٍ ذي زغب, ليعيد إلى الأذهان سؤال البدايات: أكان علينا أن نفتح النوافذ مشرعة, أم كان الأجدر بنا أن نحرس البيض من كواسر القدر؟

وفي حيرة هذا الهديل الذي يوقظ الشوق بعد طول رقاد, ندرك أن الحب ليس مكاناً نصل إليه, بل هو هذه المسافة الحرجة بين الطيران والسقوط, إنكِ إذْ جعلتِ من الوجل زينةً للبدايات, قد كشفتِ عن حقيقة قلوبنا التي كلما أسنّت, اشتاقت لربيعٍ يزلزل وقارها السديد, ويطرد وساوس الفكر ليعيدها إلى براءة الطفولة الأولى, فسلامٌ على القلوب التي رغم خوفها من (( الكاسر )), ما زالت تشرع صدورها للريح, وتغامر بالتحليق في فضاءات المجهول.

المصدر: وكالات