د. جاسم حسين الخالدي

مع كل انعطافة تمر بها البلاد، تخرج أصوات من هنا أو هناك تحاول التقليل من أهمية الخطوة التي نعيش أيامها وهي يوم السيادة. وكأن بعضنا اعتاد أن ينظر إلى التحولات الكبيرة بعين الشك، أو أن يبحث في كل مناسبة وطنية عما ينقصها، بدل أن يتأمل ما يمكن أن تعنيه في مسار الدولة العراقية.في الثلاثين من أيلول، احتفى العراق بـ(يوم السيادة الوطني)، لكن السيادة في معناها الحقيقي

ليست يومًا في التقويم، ولا عطلة رسمية، ولا احتفالًا ينتهي بانتهاء المناسبة. السيادة معنى أكبر من ذلك كله؛ إنها أن يكون للدولة قرارها، وللقانون كلمته، وللمؤسسات قدرتها على حماية هذا القرار وتنفيذه.

ولعل العراق، أكثر من كثير من البلدان، يعرف معنى أن تكون السيادة ناقصة أو مهددة. فقد مرّت عليه عقود طويلة كانت فيها قراراته الكبرى مرتبطة بحروب وصراعات وتدخلات خارجية، ودفع المواطن ثمنًا باهظًا من أمنه وحياته واقتصاده ومستقبل أبنائه. ولذلك فإن الحديث عن السيادة لا يمكن أن يكون حديثًا عابرًا، لأن الذاكرة العراقية تحمل الكثير من الصور، التي تجعل هذه الكلمة أثقل من مجرد شعار.

ومن هنا، فإن الذين يقللون من أهمية المناسبة ربما ينظرون إليها من زاوية سياسية ضيقة، بينما يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تتصل بفكرة الدولة نفسها.

فالسيادة لا تعني أن يعيش العراق بعيدًا عن العالم، ولا تعني قطع علاقاته مع الدول الأخرى، ولا رفض التعاون الدولي. الدولة ذات السيادة تستطيع أن تتعاون مع غيرها، وأن تعقد الاتفاقيات، وأن تستقبل الشركات والاستثمارات والخبرات، وأن تكون جزءًا من المجتمع الدولي، من دون أن تتخلى عن قرارها الوطني.

بل إن الدستور يجعل المحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه من المسؤوليات الأساسية للدولة، ويضع السياسة الخارجية والأمن الوطني ضمن الاختصاصات الاتحادية. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فإذا كانت السيادة تعني القرار الوطني، فإن القرار الوطني لا يكتمل بمجرد انتهاء وجود عسكري أجنبي. السيادة تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، وقانون يحكم الجميع، وأجهزة أمنية وعسكرية تعمل وفق الدستور، واقتصاد قادر على حماية مصالح البلد، وسياسة خارجية توازن بين مصالح العراق وعلاقاته الدولية. السيادة إذن، ليست فقط مسألة عسكرية.

إنها أيضًا سيادة القانون، وسيادة المؤسسات، وسيادة الإرادة الوطنية، وسيادة المواطن على أرضه وموارده ومستقبله.

ولهذا ينبغي ألا تتحول المناسبة إلى فرصة للمزايدات السياسية. فالعراق لا يحتاج في هذه اللحظة إلى أن ينقسم أبناؤه حول معنى السيادة، بقدر ما يحتاج إلى أن يتفقوا على أصلها: أن يكون العراق بلدًا يقرر شؤونه بنفسه، وأن تكون علاقاته الخارجية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام، وأن يكون القرار العراقي نابعًا من مؤسسات الدولة لا من خارجها.

لقد عانى العراقي طويلًا من أن تتحول بلاده إلى ساحة لصراعات الآخرين. مرة باسم الحرب، ومرة باسم الأمن، ومرة باسم المصالح الإقليمية والدولية. ولذلك فإن المعنى الأهم للسيادة هو أن يتوقف العراق عن أن يكون ساحة، وأن يتحول إلى دولة فاعلة في محيطها، تعرف مصالحها وتدافع عنها، وتبني علاقاتها على أساس الندية والاحترام. وهذا لا يتحقق بالكلمات وحدها.

فالمواطن الذي ينتظر الكهرباء والماء والخدمات والتعليم والصحة، يريد أن يرى أثر الدولة في حياته اليومية. والمزارع يريد أن يعرف أن أرضه ومياهه وثروته محمية. والشاب يريد أن يرى وطنه قادرًا على توفير فرصة حقيقية له. والموظف يريد قانونًا عادلًا. والمثقف يريد مساحة من الحرية يستطيع فيها أن يقول رأيه من دون خوف. كل هذه التفاصيل، في النهاية، جزء من معنى الدولة ذات السيادة.

لذلك لا ينبغي أن نفهم السيادة بوصفها علاقة بين العراق والدول الأخرى فقط، بل بوصفها علاقة بين الدولة ومواطنيها أيضًا.فالدولة التي تحترم مواطنيها وتطبق القانون عليهم بالتساوي تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الخارجي. والدولة التي تستند إلى مؤسسات راسخة لا تحتاج إلى المبالغة في إعلان قوتها؛ لأن قوتها تظهر في انتظام عملها، وفي قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في هذه المناسبة هو أن نخرج بها من دائرة الاحتفال إلى دائرة المسؤولية.

فالسيادة التي نحتفي بها ليست نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة ينبغي أن تكون أكثر وضوحًا في بناء الدولة. وإذا كان العراق قد عانى طويلًا من التدخلات والصراعات، فإن المرحلة الجديدة تتطلب أن يتعلم كيف يحمي مصالحه من دون أن يعادي العالم، وكيف يبني علاقاته من دون أن يفقد قراره، وكيف ينفتح على الآخرين من دون أن يصبح تابعًا لأحد.

إن العراق ليس بحاجة إلى عزلة، كما أنه ليس بحاجة إلى تبعية. إنه بحاجة إلى علاقة متوازنة مع العالم. والسيادة الحقيقية لا تخاف من الصداقة، ولا ترفض التعاون، ولا تغلق الحدود أمام المعرفة والخبرة والاستثمار. لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يكون قرارها مرهونًا بإرادة خارجية.

ولهذا فإن يوم السيادة ينبغي أن يكون مناسبة للتأمل قبل أن يكون مناسبة للاحتفال. أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد من الدولة؟ وكيف نريد أن تكون علاقتها بالعالم؟ وما الذي نستطيع أن نقدمه نحن، بوصفنا مواطنين ومؤسسات ونخبًا سياسية وثقافية وأكاديمية، حتى تصبح السيادة واقعًا يوميًا لا مجرد عنوان؟.

قد تختلف الإجابات، وقد تختلف الرؤى السياسية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن ينبغي ألا نختلف على أن العراق يستحق دولة مستقلة القرار، قوية بمؤسساتها، عادلة مع مواطنيها، منفتحة على العالم، وقادرة على حماية مصالحها.

المصدر: وكالات