نبأ العراق
تحدث نائب المدير في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمعهد تشاتام هاوس البريطاني، ريناد منصور، عن فرصة العراق في إعادة خط النفط مع سوريا، مؤكدًا أن المسارات الجديدة للطاقة والتجارة قد تتجاوز مضيق هرمز وتغيّر الشرق الأوسط، لكن ثمة تحديات كبرى ما تزال قائمة، وخاصة أمام بغداد من ناحية تعقيدات، وأبرز ثلاثة منها هي: الفساد والجماعات المسلحة وظروف المنطقة.
ريناد منصور: يسعى العراق وسوريا إلى إنشاء خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام العراقي غربًا إلى البحر المتوسط، بهدف توفير بديلٍ آخر لبغداد يخفف اعتمادها شبه الكامل على التصدير عبر مضيق هرمز
وفي تقرير أرسلت نسخة منه إلى، قال منصور إن "الحرب على إيران، وما نجم عنها من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، كشفت عن هشاشة مسارات التجارة والطاقة القائمة، وأخلّت بتوازن القوى القديم في أنحاء الشرق الأوسط"، مضيفًا أن "العراق وسوريا ولبنان يسعون إلى الاستفادة من موقعها بين أوروبا والخليج وتعزيز ترابطها عبر خطوط أنابيب النفط والغاز والطرق والسكك الحديدية ومسارات الربط الرقمي، وبعد أن كانت البلدان الثلاثة في صلب نظام إقليمي تقوده إيران، تسعى حكوماتها اليوم إلى تعزيز سيادتها من خلال تنويع علاقاتها الاقتصادية، في تحوّل تدعمه إدارة ترامب".
وأضاف منصور: "غير أنّ هذه البلدان تسعى إلى تحقيق ذلك في ظل احتلالات أجنبية وعمليات عسكرية، وفي الوقت نفسه تواجه فسادًا مستشريًا في الداخل، وأنظمة سياسيةً مجزأةً تمنح الجماعات المسلحة نفوذًا واسعًا، وعليه فإنّ قدرتها على اغتنام هذه الفرصة لتعزيز ترابطها ـ وسيادتها ـ لن تتوقف على البنية التحتية التي تُنشئها فحسب، بل أيضًا على مدى قدرتها على إصلاح مؤسسات الدولة بما يمكّنها من إدارة هذه البنية والإشراف عليها".
وأدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى اضطرابٍ شديد في تدفقات الطاقة في المنطقة، بما في ذلك صادرات العراق، إذ أنه قبل الحرب، كان العراق يصدّر نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا من حقوله النفطية الجنوبية، لكن بحلول الأسبوع الثاني من آذار/ مارس، انهارت الصادرات من جنوب العراق، ثم بدأت تتعافى تدريجيًا منذ منتصف نيسان/ أبريل، لتصل إلى 2.3 مليون برميل يوميًا في آب/ أغسطس، مدعومةً بتقديم العراق خصومات للمشترين، وبسماح إيران، وفقًا للتقارير، لناقلات النفط العراقية بالمرور عبر المضيق.
أما سوريا ولبنان ـ والكلام لمنصور ـ فكان "تأثُّرهما بأزمة هرمز أقل مباشرةً، نظرًا إلى أن أيًا منهما ليس من كبار مصدّري النفط، فضلاً عن تمتعهما بمنفذ إلى البحر المتوسط. غير أن الأزمة دفعت باتجاه إعادة تشكيل محتملة لمسارات التجارة والطاقة في المنطقة، في ظلّ بحث دول مثل العراق عن بدائل".
قدرة العراق وسوريا ولبنان على اغتنام الفرصة لتعزيز ترابطها ـ وسيادتها ـ لن تتوقف على البنية التحتية التي تُنشئها فحسب، بل أيضًا على مدى قدرتها على إصلاح المؤسسات
وتتاح لكل من بيروت ودمشق فرصة للاستفادة من موانئهما على البحر المتوسط ومِن شبكات النقل لديهما بوصفها بوابات تربط الخليج بالأسواق الأوروبية ضمن منظومة إقليمية للتجارة آخذة في التشكل من جديد.
خط الأنابيب العراقي ـ السوري
ويقول منصور إن "العراق يسعى بالفعل إلى تنويع مسارات صادراته بعدة طرق. إذْ تعمل بغداد على زيادة الصادرات عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، الذي يتدفق إليه النفط الخام العراقي بالفعل، كما تناقش إحياء فكرة طالَ تعثُّرها لإنشاء خط أنابيب يصل إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر"، مضيفًا: "ويسعى العراق وسوريا أيضًا إلى إنشاء خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام العراقي غربًا إلى البحر المتوسط، بهدف توفير بديلٍ آخر لبغداد يخفف اعتمادها شبه الكامل على التصدير عبر مضيق هرمز".
ولفت إلى أنه "كثيرًا ما يوصف هذا الممر المخطط له بأنه إحياء لخط أنابيب كركوك ـ بانياس التاريخي، الذي كان ينقل النفط من شمال العراق إلى الساحل السوري. غير أن المشروع يتضمن إنشاء بنية تحتية جديدة لتشكيل شبكة أوسع تربط حقول العراق الجنوبية والشمالية بمركز تجميع في حديثة غرب العراق، يمكن أن يتدفق النفط منه غربًا عبر سوريا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، وشمالاً باتجاه تركيا".
وتشير التقديرات إلى أنّ تكلفة المشروع ستبلغ نحو 15 مليار دولار، وأن أعمال إنشائه ستستغرق على الأرجح نحو أربع سنوات. وتفيد تقارير بأن إدارة ترامب تدعم الخطة في إطار استراتيجية للحد من نفوذ إيران الإقليمي من خلال تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ومن شأن الشبكة الجديدة، التي يُقترح أن تبلغ طاقتها الأولية نحو مليوني برميل يوميًا، أن "تتيح للعراق تحويل جزء كبير من صادراته بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يحدّ من أوراق الضغط التي تمتلكها إيران. لكنها ستوفّر مسارات بديلة عن مضيق هرمز بدلاً من أن تحل محله؛ إذ تتجه معظم صادرات العراق من النفط الخام إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، التي يمكن الوصول إليها من الخليج بسرعة أكبر بكثير مقارنةً بالبحر المتوسط".
تشير التقديرات إلى أنّ تكلفة مشروع إعادة خط بانياس ستبلغ نحو 15 مليار دولار، وأن أعمال إنشائه ستستغرق على الأرجح نحو أربع سنوات
لكن منصور يشخص وجود "فجوة كبيرة بين الواقع والطموحات. فالعراق وسوريا ولبنان تمضي في مشاريع البنية التحتية هذه في ظل حرب لا تملك السيطرة على مسارها، وفي وقت تواجه فيه احتلالاً أو تدخلاً خارجيًا".
ويضرب منصور مثالاً بـ"تعرّض حقل كورمور للغاز لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة نُسبت إلى ميليشيات. وفي الآونة الأخيرة، أدت هجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى إغلاق مؤقت لخط أنابيب النفط السعودي شرق ـ غرب، المصمم هو الآخر لتقليل اعتماد الرياض على مضيق هرمز. كما هاجم الحوثيون ناقلات نفط سعودية وسيطروا هذا الشهر على ساحل مضيق باب المندب".
وثمّة عقبة أخرى يتحدث عنها منصور، وتتمثل "في الفساد المتجذّر. فالعراق ولبنان وسوريا تقع جميعها في مراتب متدنية على مؤشّر مدرَكات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية"، مبينًا أنه "في الأنظمة السياسية التي تُشكل فيها العقود العامة وسيلةً رئيسيةً لتوزيع الريع، يمكن للمشاريع العملاقة أن تتيح للأحزاب السياسية فرصًا لتحقيق مكاسب محتملة من العقود، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب تنفيذ المشاريع نفسها".
وأوضح منصور أنه "يرتبط بذلك أيضًا تشرذم هذه الدول ذاتها. فمشاريع البنية التحتية بهذا الحجم تتطلب مؤسسات قادرةً على تنسيق القرارات على مدى سنوات، وإنفاذ العقود، وحماية الأصول، وتوحيد المصالح المتنافسة حول مشروع مشترك"، مؤكدًا أن "السلطة في العراق وسوريا ولبنان لا تزال مجزأةً بين فصائل سياسية ومؤسسات متنافسة وجِهات مسلحة. وهذا يجعل الحكومات عاجزةً عن ضمان أمن المشاريع أو تمويلها، في ظل قدرة أطراف متعددة على عرقلة إنجازها أو استخلاص الريوع منها. وينشأ عن ذلك اختلال جوهري بين حجم الطموحات والقدرة على تحقيقها".
وبالنسبة لمنصور، فإن "تعزيز الترابط لا يعني بالضرورة تعزيز السيادة. فقد توفِّر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات التجارية الجديدة لهذه الدول بدائل تقلل من أوجه الاعتماد التي كرسها النظام الإقليمي السابق، لكنها لا تستطيع وحدها تحقيق السيادة. إذ يقتضي تحقيق ذلك مؤسسات قادرةً على إنجاز هذه المشاريع وحمايتها".
يعتبر الفساد واحدًا من أبرز العقبات أمام استغلال فرصة مسارات الطاقة الجديدة
وأكد منصور أنه "إذا أراد العراق وسوريا ولبنان اغتنام الفرص التي يتيحها النظام الإقليمي المتغير، فلن يكفي أن تُنشِئ هذه البلدان مسارات جديدة تعبر حدودها، بل ستحتاج أيضًا إلى بناء دول قادرة على إدارة شبكات الربط الجديدة هذه، وضمان استفادة شعوبها من عوائدها، لا أن تقتصر تلك العوائد على النُّخب".
المصدر: ألترا عراق
