نبأ العراق
من أمتع الكتب التي قرأتها، السيرة التي كتبها والتر إيزاكسون لشارد الذهن ألبرت آينشتاين، وكنت في مراهقتي الفكرية أعاني من تضخم الأنا، فأوهم نفسي بأنني أستطيع فكّ ألغاز أي كتاب، إلى أن وقعت في امتحان عسير، حين حاولت قراءة كتاب النسبية.
كنت أعتقد أن آينشتاين مثل نجوم السينما بشعره المنكوش وقدميه اللتين تنتعلان حذاءً دون جوارب، وغليونه ولحظة الشرود التي لا تفارق وجهه، أمضيت أياماً بلياليها أحاول حلّ لغز الصفحات الأولى من الكتاب، لكني في النهاية استسلمتُ ورفعتُ الراية البيضاء، وأيقنت أن مثل هذه الكتب لا يقربها إلا الراسخون في العلم، وأنا حتماً لست منهم، بدليل أنني حتى هذه اللحظة لم أتمكن من حل لغز تحول معظم مدن العراق إلى مدن "مقدسة"، حتى اكتشفنا مؤخراً أن منطقة الوشاش "مقدسة" ولا يجوز الغناء فيها أو فتح محل للمشروبات، وذهب الخيال برئيس عشيرة في البصرة أن يتألم لأن المحافظة أقامت حفلاً غنائياً بمناسبة العيد الوطني.
ولأنني مثل ملايين العراقيين أعرف أن هذه البلاد يعيش فيها المواطن كل يوم مع استعراضات غريبة وعجيبة، فلم أتفاجأ عندما قررت محافظة بابل إلغاء حفل غنائي، والسبب أيضاً احتراماً لقدسية مدينة الأنبار. فلماذا يا سادة تطلبون مني أن أتفاجأ وأثير علامات الاستفهام وأنا أقرأ خبراً يقول إن شيخ عشيرة سيتولى وزارة الثقافة في الأيام القادمة، وأن الحكومة قررت أن تضع النائبة السابقة ثناء جاسب الزجراوي على رأس هيئة الطاقة الذرية العراقية. سيقول البعض: يا رجل ألا تفرح عندما تقرأ في الأخبار أن امرأة عراقية تجلس على كرسي الطاقة الذرية؟ نعم يا سادة سأفرح وأصفق بكلتا يدي لو كانت السيدة ثناء جاسب متخصصة في الفيزياء ولها بحوث في الطاقة وصولات في مجال الذرة، لكن الأخبار نفسها تقول إن رئيسة هيئة الطاقة متخصصة في علوم الأحياء.
أرجوكم أن تعذروا إلحاحي ومتابعتي لشؤون من يدّعون السياسة، فأنا مثلكم أبحث عن خبر مفرح فلا أجد سوى أخبار الساسة وصولاتهم المقدسة، ولهذا تجدني، عزيزي القارئ، أبحث عن أخبار المرحوم آينشتاين، لأنني مللت من نظريات أحزابنا "المؤمنة" عن القوم الكفار في العراق! سيطالبني عزيز بالتأكيد بأن أغلق فمي، فما لنا ومال آينشتاين، ونحن محاصرون بارتفاع الدولار، وغياب آدم سميث العراق "هيثم الجبوري"، وبيان عالية نصيف الذي عاتبت فيه الشعب العراقي لأنه تخلى عنها، فما قيمة "60" مليار دينار استلفتها السيدة النائب من جيوب المواطنين، ولماذا تحسدونها على مزرعة الخيول وساعات الرولكس وصناديق الدولار الأخضر، أليست هي التي أشاعت النزاهة والشفافية خلال أكثر من 20 عاماً جلست فيها على كرسي البرلمان.
ذات يوم، كان آينشتاين يلقي محاضرة في إحدى الجامعات وبرفقته صديقه شارلي شابلن، وما إن انتهى من المحاضرة حتى ضجت القاعة بالتصفيق. سأل آينشتاين: "لماذا يصفقون إلى هذه الدرجة؟!، رد شابلن: "يصفقون لأنهم لم يفهموا شيئاً مما قلته". ولهذا يا سادة سيظل الشعب يصفق لكم لأنه لا يفهم: ماذا تريد الحكومة؟
المصدر: المدى
