لا تظهر (الانتفاضة) في الفيلم بوصفها مجرد انفجار عابر للسخط الشعبي، وإنما بوصفها لحظة يتكشف فيها التناقض بين طبقة تملك الأرض والثروة والسلطة، وطبقات مسحوقة تتحمل أعباء النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. ومن هذا المنظور، تصبح الانتفاضة تعبيراً عن صراع طبقي يتجاوز حدود الحدث التاريخي نفسه، لأن أسبابها لا تنبع من ظلم فردي أو قرار سياسي منفرد، بل من علاقات إنتاج غير متكافئة تجعل الفقراء يدفعون ثمن امتيازات الطبقات المالكة. وهنا يستمد الفيلم جزءاً من قوته من الواقع الذي يقع خارج إطار الصورة. فالمشهد الإنجليزي الذي يستعيده غرينغراس يمكن أن يجد صدى معاصراً لدى جمهور أمريكي يعيش بدوره اتساع الفجوة بين الثروة والعمل، وتزايد الشعور بأن النظام الاقتصادي يمنح الأقلية القادرة على امتلاك رأس المال نفوذاً يفوق قدرة الأغلبية على التأثير في شروط حياتها. لذلك تبدو الانتفاضة، في لحظاتها الأقوى، أقل ارتباطاً بالماضي مما هي انعكاس لصراع حاضر حول من يملك ومن يعمل، ومن يقرر ومن يدفع الثمن. وهكذا تتقدم الانتفاضة أحياناً بوصفها صورة قوية للتمرد، لكنها تفقد شيئاً من دلالتها حين تُختزل في فعل احتجاج منفصل عن علاقات الملكية والاستغلال التي أفضت إليه. فالفيلم يقدم (الحرّاث) كشخصية واعية بموقعها الاجتماعي، تنضم إلى التمرد بحذر وتفضّل المراقبة على المبادرة. لكن موهبته في الخطابة والاستراتيجية تفتح أمامه طريقاً تدريجياً نحو الدائرة القيادية، فيتحول من شاهد على الأحداث إلى طرف مؤثر فيها. ويعزز لقاؤه بوات تايلر، الذي يؤديه كوزمو جارفيس، هذا التحول، عبر الجمع بين خبرة المحارب ورؤية القادم من الطبقات الدنيا. وتبرز خصوصية الفيلم في اهتمامه بلوجستيات التمرد وآليات تنظيمه، بعيداً عن الاكتفاء بمشاهد المواجهة. ويبلغ ذلك ذروته مع وصول المتمردين إلى لندن وترتيب لقاء مع الملك على ضفاف التايمز، حيث يصبح التفاوض امتدادًا للصراع. بهذا يربط الفيلم تطور «الحرّاث» بمسار الحركة، ويحوّل الانتفاضة من غضب متفرق إلى قوة تمتلك قيادة وأدوات للتأثير.

المخرج بول غرينغراس هو سيد أسلوب الحركة والكاميرا المحمولة المهتزة في مشاهد الأكشن. كدت أشعر بالدوخة راس وأنا أشاهد في فيلمه Green Zone (المنطقة الخضراء). فيمنح الفلاح او الحرّاث حضوراً شخصياً يجعل المشاهد يتابع مصيره ومخاوفه وتحولاته. لكن قيمة الشخصية تتجاوز بعدها النفسي، لأنها مرتبطة مباشرة بالأرض والعمل والملكية. الكاميرا تضع جسده في مواجهة فضاء تسيطر عليه طبقة لا تملك فقط السلطة، بل شروط الحياة نفسها. ومن هنا يصبح الحرّاث صورة للعامل الذي ينتج الثروة من دون أن يمتلك وسائل إنتاجها. غير أن الفيلم لا يذهب دائماً بهذا المعنى إلى نهايته السياسية، فيظل التمثيل الطبقي متردداً بين الفرد والجموع. وهذه المسافة بين الشخصية بوصفها إنساناً والشخصية بوصفها رمزاً طبقياً هي إحدى نقاط قوة الفيلم وحدوده في آن واحد. فمعاناته لا تنشأ من قسوة حاكم بعينه، وإنما من نظام للملكية والعمل يوزع الأرض والثروة بصورة غير متكافئة. وهنا تتحول الانتفاضة من رد فعل على الظلم إلى لحظة وعي بأن أسباب البؤس ذات طبيعة اجتماعية. لكن الفيلم لا يمنح هذا الوعي الطبقي تطوراً درامياً واضحاً بالقدر الكافي، إذ يظل التمرد مرتبطاً بشخصيات ومواقف فردية. لذلك تبدو الجماعة أحياناً خلفية لمغامرة البطل بدلاً من أن تصبح قوة تاريخية فاعلة في السرد. ومن منظور نقدي، تكمن المشكلة في أن الفيلم يكشف علاقات الاستغلال بصرياً ودرامياً أكثر مما يحلل آلياتها. ومع ذلك، فإن ربط العمل بالأرض والملكية والضرائب والسلطة يمنح الانتفاضة دلالة تتجاوز الانتقام الشخصي. وهنا تكمن أهميته: فهو يلمح إلى أن تغيير مصير الفرد لا ينفصل عن تغيير العلاقات الاجتماعية التي تنتج فقره وتعيد إنتاجه.

في معالجة بول غرينغراس لثورة الفلاحين عام 1381، يتواجه التاريخ مع إيقاع سينمائي سريع لا يمنح أياً منهما الغلبة الكاملة. فالبطل، الذي لا يحمل اسماً سوى «الحرّاث»، تختصر الكلمة علاقة الإنسان بالعمل في مجتمع يختزل الفرد إلى وظيفته وموقعه الطبقي. يبدو منذ ظهوره الأول امتداداً للأرض التي يعمل فيها: منهكاً، مكسوراً، ومحاصراً بالفقر والفقد. لا تقدم الكاميرا مأساته بوصفها قصة فردية فحسب، بل تربط جسده المتعب بواقع الفلاحين تحت النظام الإقطاعي. حتى الأرض التي يحرثها فقدت قدرتها على العطاء، فيما تظل مشهد قبور زوجته وأطفاله، ضحايا الموت الأسود (الطاعون)، شاهداً صامتاً على حجم الخراب. لكن المخرج غرينغراس يدفع هذه التجربة سريعاً نحو العنف، فتتحول المعاناة المتراكمة إلى قوة درامية أكثر منها وعياً سياسياً متبلوراً. والفيلم ينجح جزئياً في ذلك؛ فهو يستحضر مأساة الفلاحين بوصفها نتيجة للاستغلال واللامساواة، لكنه سرعان ما يعيد امتصاص هذا البعد داخل إيقاع سينمائي سريع ومشاهد مواجهة صاخبة. لذلك يبقى الصراع الطبقي حاضراً في خلفية الأحداث أكثر مما يتحول إلى تحليل اجتماعي متماسك، فيما تتقدم سينما الحركة إلى الواجهة وتصبح الثورة نفسها مادة للفرجة. يتعامل الفيلم بحرية واضحة مع بعض الوقائع والشخصيات التاريخية، محولاً التاريخ إلى مادة درامية قابلة لإعادة البناء. وتبرز هذه الحرية خصوصاً في تصوير علاقة الملك ريتشارد الثاني البالغ أربعة عشر عاماً، فيظهر بين مسؤولية العرش وحاجته إلى الحماية، ما يمنح الشخصية هشاشة لافتة بالمفاوضات والمواجهة الأخيرة مع الفلاحين، حيث وتوظف الكاميرا هذه العلاقة لتكشف التوتر بين السلطة الرسمية والروابط العائلية داخل القصر. لذلك تبدو المعالجة البصرية دقيقة ومسيطرًا عليها، لكنها تخسر أحيانًا شيئًا من العفوية لصالح التكوين المحسوب. فما يقدمه الفيلم في هذه اللحظات يبدو أقرب إلى الاختلاق الدرامي منه إلى الالتزام بالتوثيق التاريخي. كما نلاحظ ان الكاميرا لا تبدوهنا وكأنها تكتشف اللحظة عفوياً، بل تتحرك ضمن بناء بصري محسوب يوجّه انتباه المتلقي بدقة. فكل حركة وتكوين بصري يخدمان التوتر الدرامي، ويكشفان ما يدور خلف واجهة القصر. ويبرز ذلك في حضور والدة ريتشارد، التي تؤديها كاثرين ووترستون، وهي تتابع مصير ابنها بحذر وقلق. غير أن المشكلة لا تكمن في الابتعاد عن التاريخ بحد ذاته، بل في أن الاختلاق لا يضيف دائماً عمقاً موازياً لفهم الصراع. يسعى الفيلم إلى جعل انتفاضة القرن الرابع عشر مرآة لصراعات معاصرة حول الفقر، الضرائب، عدم المساواة، والسلطة السياسية، مؤكداً أن التاريخ قد لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج بعض صراعاته بأشكال مختلفة.

يضع «الانتفاضة» أحداثه عام 1381 في إنجلترا المنهكة بالطاعون والخراب، ويفتتح بصور الدمار قبل الانتقال إلى قصر ريتشارد الثاني، حيث ينشغل مستشاروه بخزائن التاج والفساد، في ظل حرب مستمرة مع فرنسا تستنزف موارد البلاد وتزيد أعباء الضرائب. ومع فرض ضريبة الرؤوس، ينتقل التوتر إلى القرى، فتجسّد مشاهد الجباية غضب الفلاحين وتحول القرار السياسي إلى احتقان اجتماعي. ويتدرج الإيقاع من الترقب والاعتراض إلى المواجهة، ثم يبلغ ذروته مع اتساع التمرد وانتقال الصورة من القصر المغلق إلى حشود الشوارع. ورغم نجاح الفيلم في بناء هذا التصاعد، فإنه يبسط الصراع أحياناً، فتغدو بعض الشخصيات ممثلة لمواقف اجتماعية أكثر من كونها شخصيات مركبة. ومع ذلك، يظل هذا التدرج من أبرز عناصره، يذكرنا بفيلم (الأحد الدامي) إذ يجعل الانفجار نتيجة درامية مقنعة لا حدثاً مفاجئاً. مشاهد المعارك مكثفة وعنيفة، إذ يمنح أسلوب غرينغراس المميز في التصوير بالكاميرا المحمولة المهتزة هذه اللحظات إحساساً فورياً وقاسياً يكاد يكون مزعجاً، فتتحوّل الشخصيات من التردد والخوف إلى المواجهة، فتزداد اضطراباً كلما انتقل الصراع من الاحتقان إلى التمرد المفتوح. وفي المعارك، يعكس الاهتزاز فقدان الشخصيات للإحساس بالسيطرة، لكنه يصبح مشتتاً حين لا يتغير مع هدوء مسارها النفسي. أما القوس والسهم والملابس الخضراء في الخاتمة، فيحوّلان مسار الشخصيات من ضحايا للسلطة إلى رموز للمقاومة، عبر استدعاء صورة روبن هود، لكنه يعمل بصورة أقل نجاحاً في المشاهد غير الحركية، حيث يصبح أحياناً مشتتاً للانتباه بطريقة لا تخدم القصة الأكبر للفيلم.

بعد انضمام «الحرّاث» إلى آلاف الفلاحين الذين يحولون مناجلهم ومحاريثهم إلى أسلحة، فيتحول العمل اليومي إلى فعل مقاومة مفتوح. ويمنح مسيرهم الغاضب نحو لندن الفيلم إيقاعًا متصاعدًا، ينتقل معه التوتر من القرى إلى مركز السلطة. هناك، لا يقتصر مطلبهم في عريضة ورقية لخفض الضرائب، بل يشمل تحسين الأجور وإنهاء القنانة التي تربطهم بأراضي أسيادهم المتراجعة الإنتاجية. وتنجح المعالجة في جعل هذه المطالب جزءًا من الدراما، بحيث يصبح التمرد صراعاً على شروط الحياة والعمل، لا مجرد مواجهة عسكرية. لكن رؤية غرينغراس المعاصرة تمنح الفيلم موقفًا واضحًا من تفاوت الثروة والسلطة، وقد تأتي أحيانًا على حساب التعدد السياسي والاجتماعي الذي أحاط بالانتفاضة التاريخية. كما تتأرجح نظرة الكاميرا نفسها بصورة غير مستقرة بين الإحساس الملح بالمشاركة من قلب الأحداث، وبين اللقطات الجوية المهيبة. وفي بعض اللحظات، تخرجنا الصور الهادئة لشوارع لندن ومبانيها، وهي تنحني تحت وطأة هجوم الفلاحين، من قلب العاصفة السينمائية التي بناها الفيلم بدقة. وهكذا يختار الفيلم أن يختم رحلة الشخصيات بنبرة أسطورية متفائلة، لكنه بذلك يخفف من تعقيد تحولاتها ومن التناقضات التي حكمت الانتفاضة تاريخياً.

فيلم (الانتفاضة) للبريطاني بول غرينغراس:انتفاضة الفلاحين بين الغضب والعجز

نشر في: 8 أكتوبر, 2026: 12:03 ص

المصدر: المدى