أكد الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات وأستاذ الإعلام والدعاية، لقاء مكي، أن انسحاب القوات الأميركية من العراق أنهى الوجود العسكري المباشر، لكنه لم ينهِ العلاقات السياسية والأمنية والاستخبارية والاقتصادية بين بغداد وواشنطن.

وأوضح مكي، في حديث متلفز، أن الوجود العسكري الأميركي انخفض بصورة كبيرة بعد انتهاء المعارك ضد تنظيم داعش، مشيراً إلى أن عدد القوات الأميركية المتبقية لم يكن يتجاوز نحو ألفي شخص، بينهم عناصر صيانة ولوجستيات ومستشارون، ولم تكن تشكل قوة قتالية كبيرة.

وبيّن أن القوات الأميركية والدولية الأخرى انسحبت بناءً على اتفاق مع الحكومة العراقية، بعد اعتبار أن العراق لم يعد بحاجة إلى قوات التحالف، لافتاً إلى أن الوجود العسكري لم يكن مقتصراً على الولايات المتحدة، إذ كانت هناك أعداد محدودة من القوات الفرنسية والبريطانية والكندية.

وأضاف أن الانسحاب لم ينهِ التداخل الأميركي في العراق، موضحاً أن العلاقات السياسية بقيت قوية ومؤثرة، إلى جانب الارتباط الاقتصادي، ولا سيما أن عائدات النفط العراقية تودع في النظام المالي الأميركي.

وذكر مكي أن هذا الوضع جعل الحكومات العراقية حريصة على استمرار العلاقة مع الولايات المتحدة، لتجنب أي نقص أو توقف في التمويل بالدولار، أو فرض عقوبات اقتصادية، فضلاً عن حاجة العراق إلى استثناءات أميركية تتعلق بتجارته مع إيران واستيراد الغاز وتسديد مستحقاته.

وأشار إلى أن العلاقة الأمنية والاستخبارية بين بغداد وواشنطن لم تنقطع حتى خلال فترة الانسحاب الأميركي عام 2011، مؤكداً أن تبادل المعلومات استمر، فيما أصبح الضباط الأميركيون بعد عودتهم إلى العراق جزءاً من قيادة العمليات المشتركة.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة ما زالت مرتبطة بملفات الرادارات والدفاعات الجوية وصيانة طائرات F-16 العراقية، معتبراً أن الانسحاب العسكري لا يعني انتهاء هذا التداخل في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية والاقتصادية والسياسية.

وفرّق مكي بين الانسحاب الأميركي الأول عام 2011 والانسحاب الحالي، موضحاً أن الانسحاب الأول شمل قوات كبيرة كانت موجودة في العراق منذ الغزو، فيما لا يتجاوز الوجود الذي انسحب أخيراً نحو ألفي شخص، معظمهم من المستشارين والكوادر الفنية.

وأشار إلى أن القوات الأميركية عادت إلى العراق عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية، بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل ووصوله إلى مناطق قريبة من أربيل، مبيناً أن قوات التحالف خاضت معارك استمرت نحو ثلاث سنوات وانتهت باستعادة الأراضي العراقية من التنظيم.

وأوضح أن القوات الأميركية تمركزت لاحقاً في مواقع محدودة، بينها عين الأسد وحرير وقاعدة فيكتوري، قبل أن تتراجع أعدادها تدريجياً نتيجة الأزمات مع الفصائل المسلحة والتوتر الأميركي الإيراني، خصوصاً بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020.

وقال إن الانسحاب الحالي يأتي في سياق إقليمي مختلف، مؤكداً أنه لا يؤثر بصورة كبيرة في الجاهزية القتالية الأميركية في المنطقة، لكنه قد يؤثر في قدرة إقليم كردستان على مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ، نظراً إلى اعتماد منظومات الدفاع الجوي سابقاً على القدرات الأميركية.

وبشأن قدرة القوات العراقية على سد أي فراغ أمني، ذكر مكي أن الحكومة تؤكد جاهزيتها وخبرتها في مواجهة أي خلل أمني أو تهديد إرهابي، لكنه أشار إلى أن قوات التحالف كانت تؤدي دوراً مهماً في الجانب الجوي، خصوصاً في تغطية المناطق الصحراوية والوديان والمناطق صعبة الوصول.

وبيّن أن الحكومة وضعت خططاً لتعويض هذا الدور من خلال طائرات الهليكوبتر والدوريات البرية، محذراً في الوقت نفسه من أن المشكلة لا ترتبط بالقدرة العسكرية فقط، وإنما بتنازع القوة والصلاحيات.

وأكد أن غياب القرار العسكري المركزي والمنضبط ضمن الهرمية العسكرية قد يؤدي إلى صراعات بين الأطراف المختلفة، وهو ما يمكن أن تستغله خلايا تنظيم داعش وبقايا الجماعات الإرهابية.

ووصف مكي النفوذ الاقتصادي بأنه الأكثر تأثيراً، إلى جانب اعتماد جزء كبير من الأسلحة العراقية على المعدات والصيانة الأميركية.

وأوضح أن الأموال العراقية الموجودة في الخارج تمر عبر نظام مالي مرتبط بالاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مبيناً أن حماية الأموال العراقية جاءت بعد الغزو بسبب الديون والمطالبات المالية السابقة، وأن استمرار هذه الحماية يرتبط بقرار يجدد دورياً من الرئيس الأميركي.

وحذر من أن نقل الأموال العراقية خارج النظام الحالي قد يفتح الباب أمام مطالبات الدائنين والحجز على الأموال، الأمر الذي قد ينعكس بصورة خطيرة على الوضع الاقتصادي والسياسي في العراق.

وفي ما يتعلق بقوات البيشمركة، أشار مكي إلى وجود مخاوف تتعلق بالتمويل ومناطق التماس والدفاعات الجوية والغطاء الاستخباري، موضحاً أن التمويل الأميركي المباشر للبيشمركة سيتوقف، فيما يفترض أن يأتي التمويل من بغداد.

كما لفت إلى أن الوجود الأميركي كان يسهم في الحد من الاحتكاك بين القوات الاتحادية والبيشمركة والفصائل المسلحة في المناطق المتنازع عليها، محذراً من احتمال نشوء توترات إذا لم تتم إدارة هذه الملفات بصورة حازمة.

وبشأن خطة حصر السلاح بيد الدولة، رأى مكي أن انسحاب التحالف يمكن أن يخدم تنفيذ الخطة، لأنه ينزع حجة وجود الاحتلال من الخطاب الرافض لنزع السلاح، ويمنح الحكومة مجالاً أكبر لممارسة الضغط.

لكنه أشار إلى أن بعض الفصائل بدأت تطرح مبررات جديدة للاحتفاظ بالسلاح، مثل التهديدات الخارجية والطيران، معتبرة أن نجاح الخطة يتطلب إرادة سياسية وتليقاً فعلياً، وليس مجرد تخزين السلاح بصورة صورية.

المصدر: وكالات