نبأ العراق
بدأت ملامح مشروع الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027 تتضح بعد استضافة اللجنة المالية النيابية وزير المالية فالح الساري، وسط تضارب بشأن حجم الإنفاق والعجز المتوقع، وتحذيرات من توسع النفقات التشغيلية واللجوء إلى الاقتراض والاحتياطي النقدي لتغطية الفجوة بين الإيرادات والمصروفات.
وتشير الأرقام التي عرضها أعضاء في اللجنة المالية إلى أن حجم مسودة الموازنة قد يبلغ 217 تريليون دينار، بعجز يقدر بنحو 50 تريليوناً، مع اعتماد سعر 58 دولاراً لبرميل النفط وطاقة تصديرية تصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً، فيما لم تتحول هذه الأرقام حتى الآن إلى صيغة نهائية مصادق عليها من مجلس الوزراء.
وتأتي المناقشات بالتزامن مع توجه حكومي لتوفير 100 ألف درجة وظيفية بصفة عقد، وتثبيت العقود والأجراء اليوميين، فضلاً عن البدء بتطبيق موازنة البرامج والأداء في عدد من المحافظات والمؤسسات، قبل تعميمها تدريجياً.
تضارب بين 200 و217 تريليون دينار
قال عضو اللجنة المالية النيابية عباس أحيال، في حديث تابعته، إن القيمة الإجمالية لمسودة موازنة 2027 تبلغ 217 تريليون دينار، فيما يصل العجز المخطط إلى 50 تريليوناً.
وأضاف أن المسودة تستند إلى سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل، مع تصدير أربعة ملايين برميل يومياً، واعتماد سعر صرف يبلغ 1500 دينار مقابل الدولار.
وتتقاطع هذه الأرقام مع معلومات نقلتها وكالة «رويترز» عن نواب مطلعين على المسودة، أفادت بأن الحكومة اقترحت إنفاقاً إجمالياً قدره 217 تريليون دينار، مع عجز يتجاوز 40 تريليوناً، فيما لا يزال تعديل سعر صرف الدينار إلى نطاق يتراوح بين 1400 و1500 دينار مقابل الدولار مطروحاً للنقاش.
لكن عضو اللجنة المالية جمال كوجر أكد، في حديث تابعته، أن الأرقام المتداولة ما تزال توقعات وليست نهائية، موضحاً أن حجم الموازنة قد يكون أقل أو أكثر من 200 تريليون دينار تبعاً للتعديلات التي ستجريها الحكومة.
وقال كوجر إن بعض التقديرات المتداولة «مبالغ فيها»، لكون موارد العراق لا تصل إلى 200 تريليون دينار، كما أن العجز لا ينبغي أن يبلغ 40 أو 50 أو 60 تريليوناً، فضلاً عن الحديث السابق عن وصوله إلى 65 تريليون دينار.
وأضاف أن قانون الإدارة المالية يضع سقفاً للعجز المخطط لا يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أنه إذا قدر الناتج بنحو 260 أو 270 تريليون دينار، فإن العجز ينبغي ألا يصل إلى 15 تريليوناً.
ورجّح كوجر، رغم ذلك، أن يكون العجز الفعلي في المسودة قريباً من 50 تريليون دينار، داعياً الحكومة إلى اعتماد الواقعية في تقدير الإيرادات والنفقات، وعدم تحميل المالية العامة التزامات تفوق قدرتها على التمويل.
اجتماع نيابي لمراجعة المسودة
استضافت اللجنة المالية النيابية، الثلاثاء، وزير المالية فالح الساري لمناقشة مشروع قانون الموازنة وأبرز مواده وموعد إرساله إلى مجلس النواب.
وقالت اللجنة، في بيان تابعته، إن الاجتماع بحث آلية توزيع التخصيصات المالية بين موازنة البنود وموازنة البرامج والأداء، إلى جانب تجربة تطبيق موازنة البرامج على عدد من المحافظات والمؤسسات الحكومية في مرحلة أولى، تمهيداً لتعميمها على بقية المحافظات.
وتناول الاجتماع ملف التحول الرقمي وأتمتة الأنظمة المالية والانتقال من المعاملات الورقية إلى النظام الإلكتروني، فضلاً عن تعظيم موارد الدولة وتنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط والسيطرة على العجز وضغط النفقات.
كما ناقشت اللجنة عمل المصارف واستقرار سعر صرف الدينار أمام الدولار، داعية إلى وضع استراتيجية مشتركة لمعالجة المشكلات التي تواجه القطاع المالي وتعزيز التنسيق مع وزارة المالية للوصول إلى موازنة تستجيب للمتطلبات الاقتصادية والخدمية.
وتملك اللجنة المالية صلاحية إجراء المناقلات بين أبواب الموازنة وتعديل بعض تخصيصاتها، إلا أن كوجر أشار إلى وجود تدخلات سياسية قد تعرقل بعض التعديلات، مستشهداً بما جرى خلال مناقشة موازنة عام 2024 وتعديلاتها.
تشكل التعيينات أحد أكثر ملفات الموازنة إثارة للجدل، إذ تتضمن المسودة، وفق تصريحات نيابية، تثبيت موظفي العقود والأجراء اليوميين على الملاك الدائم، إلى جانب توفير 100 ألف درجة وظيفية جديدة بصفة عقد.
وبحسب عضو اللجنة المالية عباس أحيال، فإن نصف العقود الجديدة سيذهب إلى الوزارات والمؤسسات الأمنية، بينما توزع النسبة المتبقية على الخريجين والجهات الحكومية المدنية.
وكان عدد من النواب قد أعلنوا التوصل إلى موافقة أولية على تضمين 100 ألف درجة في الموازنة، بواقع 50 ألفاً للخريجين و50 ألفاً للمؤسسات الأمنية، غير أن تفاصيل التوزيع وشروط التعاقد ومصادر التمويل لم تُحسم بصورة نهائية.
وقال كوجر إن اللجنة المالية لا تفرض على الحكومة أعداد المشمولين أو الجهات التي ستوزع عليها الدرجات، وإنما تنقل مطالب الخريجين والعقود والأجراء والشرائح التي تطالب بالإنصاف.
وأوضح أن اللجنة ستطلب بيانات تفصيلية عن أعداد المشمولين وكلفهم المالية ومصادر تمويل رواتبهم، لا سيما مع وجود مطالب داخلية بالتعيين، مقابل ضغوط وتوصيات مالية بعدم زيادة الإنفاق التشغيلي.
وحذر من أن استمرار زيادة الرواتب والتعيينات قد يجعل الحكومة عاجزة مستقبلاً عن الوفاء بالتزاماتها، كما سيؤدي إلى تقليص الإنفاق الاستثماري وانعكاس ذلك سلباً على المشاريع والقطاع الخاص وفرص العمل.
سعر النفط بين التحفظ وتقلبات السوق
يشكل سعر النفط الأساس الذي ستُبنى عليه الإيرادات المتوقعة، في ظل اعتماد العراق بصورة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والمشاريع.
وتشير المعلومات النيابية إلى اقتراح اعتماد سعر 58 دولاراً للبرميل، بطاقة تصديرية تصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً، تتضمن صادرات إقليم كردستان.
وقال كوجر إن تحديد سعر النفط وكميات التصدير يقع ضمن اختصاص الحكومة والجهات النفطية المعنية، وفي مقدمتها شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، وليس من مسؤولية اللجنة المالية وضع هذه التقديرات.
وشدد على ضرورة اعتماد سعر احتياطي وتحفظي، وعدم بناء الموازنة على الأسعار المرتفعة التي قد تنتج عن الحروب أو الاضطرابات المؤقتة في أسواق الطاقة.
وأضاف أن الموازنة لا تُبنى على سعر النفط في يوم إعدادها، وإنما على متوسط متوقع يمتد طوال السنة المالية، إذ قد تنتهي موجة التصعيد الحالية بعد شهر أو شهرين، وقد تهبط الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 53 و56 دولاراً للبرميل.
ويعني اعتماد سعر أعلى من الواقع أن أي انخفاض في السوق العالمية سيؤدي إلى اتساع العجز، فيما قد يمنح السعر التحفظي الحكومة مساحة لمواجهة التقلبات من دون اللجوء السريع إلى الاقتراض.
تحذيرات من تمويل العجز بالاقتراض
قال الباحث الاقتصادي عامر الجواهري، في حديث تابعته، إن مشروع الموازنة لا يستند حتى الآن إلى أسس اقتصادية واضحة تختلف جذرياً عن الموازنات السابقة، مع استمرار الاعتماد على زيادة الإنفاق وتسجيل عجز كبير مرشح للتراكم.
وأوضح أن الحديث عن تطبيق موازنة البرامج والأداء في بعض المحافظات والوزارات لا يغير وحده واقع التعامل مع الموازنة بوصفها أرقاماً وتخصيصات، ما لم يرتبط الإنفاق بأهداف قابلة للقياس والرقابة والمحاسبة.
وأضاف أن اتساع العجز سيدفع الحكومة إلى مزيد من الاقتراض، وهو ما يعني توجيه الموارد المقترضة لتمويل الإنفاق التشغيلي بدلاً من استخدامها في المشاريع الاستثمارية أو الاحتفاظ بها للأجيال المقبلة والحالات الطارئة.
وأشار إلى أن الفجوة بين الإيرادات والنفقات لا يمكن التعامل معها من دون ضغط استثنائي على الإنفاق، خصوصاً مع محدودية فرص تحسين الإيرادات غير النفطية واحتمال تراجع الإيرادات النفطية بفعل انخفاض الأسعار أو اضطراب حركة الصادرات.
الإيرادات غير النفطية لا تسد الفجوة
يرى الجواهري أن زيادة إيرادات الضرائب والرسوم والكمارك تظل ضرورية، لكنها لن تكون كافية بمفردها لسد عجز يبلغ عشرات التريليونات.
ولفت إلى أن إيرادات الكمارك المعلنة خلال العام الحالي تقل عن نصف تريليون دينار، وحتى إذا ارتفعت إلى خمسة أو عشرة تريليونات، فإنها ستبقى محدودة أمام موازنة يتجاوز حجمها 200 تريليون دينار.
ودعا إلى مواجهة الهدر والفساد والتهرب الجمركي والضريبي، مع إعادة تقييم النفقات الحكومية ووقف المصروفات غير الضرورية، بدلاً من الاعتماد على الإيرادات النفطية أو زيادة الاستدانة في كل مرة تتراجع فيها الموارد.
وحذر من أن استمرار السحب من الاحتياطي النقدي والأموال الموجودة لدى المصارف الحكومية قد يضعف قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، وينعكس على السوق وسعر صرف الدينار.
القطاع الخاص بدلاً من تضخم الوظائف
انتقد الجواهري الوعود المتكررة بإضافة أعداد كبيرة من الموظفين إلى الجهاز الحكومي، سواء عبر 100 ألف أو 120 ألف درجة أو أرقام أكبر يجري تداولها بصورة غير رسمية.
وقال إن العراق يعاني أصلاً من تضخم الجهاز الوظيفي، فضلاً عن تعيين حملة شهادات في مؤسسات لا تحتاج إلى اختصاصاتهم، ما يرفع كلفة الرواتب من دون تحقيق زيادة مماثلة في الإنتاجية أو جودة الخدمات.
ودعا الحكومة إلى توجيه الأموال نحو دعم القطاع الخاص وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع تخفيف الإجراءات الإدارية والتعقيدات التي تواجه المستثمرين وأصحاب المشاريع.
وأشار إلى تخصيص المصرف العراقي للتجارة والمصرف الصناعي قرابة تريليون دينار لتمويل المشاريع، مقترحاً إلزام كل مشروع يحصل على التمويل بتشغيل عدد أو نسبة محددة من الخريجين والعاطلين وأصحاب المهارات.
ويرى الجواهري أن هذه الآلية يمكن أن توفر فرص عمل لأعداد كبيرة من المواطنين، من دون تحميل الموازنة التزامات دائمة تتمثل في الرواتب والتقاعد والمخصصات.
كما دعا إلى تفعيل مجلس تطوير القطاع الخاص، والحد من الروتين والابتزاز والفساد الذي يواجه المستثمرين، معتبراً أن توسيع النشاط الاستثماري والإنتاجي يمكن أن يحرك السوق ويخفف البطالة والتضخم.
البصرة تطالب باستحقاقاتها
بالتزامن مع مناقشة المسودة، كشف النائب عن محافظة البصرة محمد أبو العيس، في تصريحات تابعتها، عن توجه نيابي لاستضافة وزير المالية لمناقشة تخصيصات المحافظة وضمان تثبيت حقوقها في موازنة 2027.
وقال أبو العيس إن البصرة عانت خلال السنوات الماضية من ضعف التخصيصات والمشاريع الاستثمارية، على الرغم من مساهمتها الكبيرة في تمويل خزينة الدولة من خلال إنتاج وتصدير النفط.
وأكد أن نواب المحافظة سيطالبون بتثبيت استحقاقاتها المتعلقة بالخدمات والبنى التحتية والبترودولار وتشغيل العاطلين وتمويل المشاريع المتوقفة، محذراً من تمرير موازنة لا تراعي حجم المشكلات الخدمية والبيئية والاقتصادية التي تعانيها المحافظة.
أرقام أولية تنتظر الصيغة النهائية
وبحسب قانون الإدارة المالية، يفترض أن ترسل الحكومة مشروع الموازنة إلى مجلس النواب في منتصف تشرين الأول الجاري، إلا أن الأرقام المتداولة حالياً تبقى أولية وقابلة للتعديل خلال مناقشات مجلس الوزراء.
وبين إنفاق يتراوح بين 200 و217 تريليون دينار، وعجز يقترب من 50 تريليوناً، تواجه الحكومة معادلة صعبة تجمع بين تلبية مطالب التوظيف والرواتب والخدمات، والحفاظ على الإنفاق الاستثماري ومنع تراكم الديون.
وستعتمد قدرة الموازنة على تحقيق أهدافها على واقعية تقديرات النفط والصادرات، وضبط النفقات التشغيلية، وتحديد مصادر واضحة لتمويل العجز، فضلاً عن تحويل موازنة البرامج والأداء من تغيير في طريقة عرض الأرقام إلى أداة فعلية لقياس النتائج ومحاسبة الجهات المنفذة.
المصدر: المدى
