تسببت أزمة طباعة وتأمين المناهج الدراسية في تهديد الاستقرار التعليمي مع الانطلاق الفعلي للعام الدراسي الجديد في المدارس العراقية، وسط اتهامات لوزارة التربية بالتصلب والامتناع عن تقديم البيانات الشفافة تحت قبة البرلمان. وتتجه لجنة التربية النيابية لتكثيف حراكها بهدف استضافة المسؤولين عن ملف الطباعة ومساءلتهم بشأن استمرار الشلل التنفيذي الذي أصاب المخازن وتصفير التجهيز الميداني، فيما أبدت أسر أولياء الأمور استياءها البالغ من تفاقم تكاليف شراء الملازم واستنساخ الكتب، مؤكدة أن تقاعس الجهات المعنية يفرغ مبدأ مجانية التعليم من محتواه ويضع الأعباء المالية برمتها على كاهل العوائل.

وكشفت رئيسة لجنة التربية النيابية زليخة الياس عن جملة من المعطيات والتعقيدات التي رافقت ملف طباعة المناهج، قائلة إن اللجنة تسعى منذ عدة أسابيع لعقد جلسات استضافة لكوادر وزارة التربية والجلوس معهم داخل أروقة اللجان البرلمانية، بهدف الاستفسار والوقوف الدقيق على تفاصيل عمليات الطباعة والآليات المعتمدة لتجهيز المدارس، مستدركة أن الوزارة رفضت الحضور والتفاعل مع المطالبات النيابية، مبررة موقفها بعدم امتلاكها البيانات الكافية أو المعطيات المكتملة لتقديمها إلى البرلمان في الوقت الراهن.

وبيّنت الياس أن الساعات القادمة ستشهد اتفاقاً بين أعضاء اللجنة لرفع كتاب رسمي جديد يُلزم المعنيين في وزارة التربية الحضور والاستجابة لطلبات الاستضافة، لمراجعة الموقف الميداني وتحديد الإجراءات المُتخذة فعلياً بشأن المناهج. وأكدت أن هذا التحرك النيابي جاء بناءً على مشاهدات ميدانية مباشرة، حيث أجرت بنفسها زيارة تفتيشية لمخازن تربية محافظة نينوى، للوقوف على واقع التجهيز، لتتأكد من أن نسبة الطباعة والتجهيز بلغت صفر بالمئة لكافة المواد والصفوف، باستثناء كتاب اللغة الإنكليزية المتوفر بكثرة كونه متبقياً من ممتلكات العام الماضي. وأوضحت رئيسة اللجنة أن المسح الميداني أظهر صورة أكثر تعقيداً، إذ تبين أن مطابع الوزارة ومخازنها المركزية تعاني من ذات المشهد المأساوي، مشيرة إلى خلوها الكامل من أي نسخ حديثة المطبوعات لكافة المواد الدراسية باستثناء منهج اللغة الإنكليزية.

وأشارت الياس إلى أن الجذور الحقيقية للأزمة وتأخر إجراءات الطباعة ترتبط مباشرة بأزمة التمويل وشح التخصيصات المالية الموجهة لقطاع التربية والتعليم، موضحعة أن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي كان قد قرر في بادئ الأمر تخصيص مبلغ 50 مليار دينار للوزارة، يُخصص لطباعة مناهج المراحل الدراسية الأربع الأولى فقط. واستدركت أنه بعد مراجعة الاحتياجات الشاملة وتبيّن حاجة بقية المراحل الدراسية للطباعة، لا سيما مع وجود تعديلات ومصطلحات حديثة أُدخلت على بعض المناهج، قرر رئيس الوزراء التريث في إطلاق التخصيص الجزئي.

ولفتت إلى أن التوجيه الحكومي الجديد قضى بتعديل مسار التمويل والتكفل بطباعة المناهج بنسبة 100% لجميع المراحل بلا استثناء، مؤكدة أن التواصل المباشر مع وزير التربية أثبت تسلّم الوزارة لهذه التوجيهات، إلا أن الواقع التنفيذي لم يسفر عن نتائج ملموسة حتى لحظة مباشرة الطلبة بالدوام الرسمي. وانتقدت رئيسة اللجنة السياقات الإجرائية التي تعتمدها وزارة التربية سنوياً، مؤكدة أن المسار الصحيح لتفادي هذه الأزمات المتكررة يتطلب الشروع بطباعة الكتب فور انتهاء الكورس الدراسي السابق في شهري حزيران وتموز، ليتم توزيعها على المديريات العامة في آب، وصولاً إلى تسليمها للمدارس في أيلول، بحيث يتسلم الطالب حصته الكاملة في أول يوم دراسي، مشددة على أن الضائقة المالية السائدة حرفت هذه الممارسات عن مسارها الطبيعي.

عبّرت المواطنة أم عبد الرحمن، وهي أم لطالبتين في المرحلة الثانوية من سكان العاصمة بغداد، عن حجم المعاناة والارتباك الذي تعيشه الأسر مع انطلاق الدوام، صريحةً بأن بناتها عُدن من المدرسة في اليوم الأول دون أن يتسلمن كتاباً واحداً أو مناهج رسمية، مؤكدة أن هذه المشكلة ليست بالجديدة، بل أصبحت سيناريو مكرراً يتجدد مع بداية كل عام، حيث يُفرض على العوائل خوض رحلات يومية بين المكتبات والمطابع الأهلية لشراء الملازم واستنساخ المناهج لضمان متابعة الأبناء لدروسهم.

وأوضحت أم عبد الرحمن أن المفارقة المؤلمة تكمن في مطالبة الكوادر التدريسية للطلبة بضرورة التحضير والمتابعة اليومية وإنجاز الواجبات، في وقت تخلت فيه إدارات المدارس عن مسؤوليتها وأبلغت الطلبة بصراحة ضرورة الاعتماد على أنفسهم وتدبير كتبهم الخاصة. وأشارت إلى أن هذا الواقع يجبر الأسر على تحمل أعباء التدريس وتأمين المستلزمات من مالها الخاص، فضلاً عن أن بعض المدارس التي وزعت بعض الكتب، قدمت للطلبة نسخاً متهالكة وطبعات قديمة جداً لا تتوافق مع التعديلات المنهجية المعتمدة هذا العام.

وتساءلت المواطنة بأسى عن الجدوى من الحديث عن مجانية التعليم في العراق، في وقت أصبحت فيه العائلة العراقية مجبرة على دفع تكاليف الكتب، والملازم، والقرطاسية، والدفاتر، وأجور الاستنساخ الباهظة. وأكدت أن هذه المصاريف تشكل ضغطاً مالياً هائلاً وغير محتمل، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تضم أكثر من طالب في مقاعد الدراسة، وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع معيشة الفرد، مشددة على أن المنهج الدراسي هو حق أساسي للطفل وواجب أصيل على الدولة، ولا ينبغي أن يتحول إلى السلعة تباع وتُشترى أو يُفاضل فيها بين من يملك القدرة المالية ومن يعجز عنها.

وطالبت أم عبد الرحمن وزارة التربية والجهات المسؤولة أن تجد حلاً جذرياً وعاجلاً ينهي هذه الدوامة الأهلية، مشددة على أن المطالب لا تتعدى توفير بيئة تعليمية عادلة ومستقرة تمكن الطلبة من الذهاب إلى مدارسهم والجلوس في صفوفهم وفي حوزتهم المناهج الرسمية المكتملة منذ اليوم الأول، دون الحاجة للانتظار لأسابيع أو تحويل التعليم إلى مشقة مالية سنوية تحرم أبناء الفقراء من فرص التحصيل العلمي المتكافئ.

المصدر: المدى