انتقد خبراء اقتصاديون خطوة حكومة علي الزيدي، في رفع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي، وفيما اعتبروا أن المواطنين سيدفعون ثمن ذلك من جيوبهم، أشاروا إلى أن الحكومة لم تقم بإصلاحات اقتصادية جذرية، وإنما أبقت على العجز والإنفاق المرتفع.

زياد الهاشمي: الحكومة غيرت سعر الصرف إلى 1520 دينارًا للدولار، للحصول على دنانير أكثر للخزينة لزيادة الإنفاق ولكن من جيب المواطن

واعتمد البنك المركزي سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، وسعر بيعه إلى المصارف عند 1510 دنانير، وسعر بيعه للجمهور عند 1520 دينارًا للدولار الواحد، وأشعل السوق العراقية باضطراب غير مسبوق فاقم ركودًا خانقًا، وسط رفض نيابي وشعبي.

وقدم الخبير الاقتصادي، زياد الهاشمي، إن مراجعة سريعة لفهم السلوك المالي للحكومة الحالية وما قامت به وما لم تقم به في موازنة 2027، على حد تعبيره.

وقال الهاشمي إن "الحكومة رفعت الإنفاق العام، رغم الضغوط المالية وانخفاض أسعار النفط المفترضة إلى 58 دولارًا للبرميل، وأبقت الإنفاق التشغيلي عند مستوى مرتفع جدًا عند 78% من إجمالي الموازنة، مقابل 22% للاستثمار".

وأضاف: "رفعت رواتب موظفي الملاك الدائم بزيادة بنحو 15% مقارنة بالمستوى السابق، ورفعت مخصصات الرعاية الاجتماعية إلى 33 تريليون دينار، أي قرابة 47% من كل الإنفاق الحكومي".

وأشار الهاشمي إلى أنها "استمرت في التوسع بالتعيينات والعقود الحكومية بدلاً من استخدام الأزمة لإعادة ضبط حجم الجهاز الحكومي وفاتورة الرواتب"، كما أنها "غيرت سعر الصرف إلى 1520 دينارًا للدولار، للحصول على دنانير أكثر للخزينة لزيادة الإنفاق ولكن من جيب المواطن، ورغم ذلك أبقت الحكومة على عجز يقارب 20% من حجم الإنفاق الكلي".

وأضاف أنها "أبقت الاعتماد على النفط مرتفعًا، فالإيرادات النفطية تبلغ نحو 145 تريليون دينار من أصل 174 تريليون من إجمالي الإيرادات، أي نحو 83%".

ما لم تقم به الحكومة

وقال الهاشمي إن "حكومة الزيدي لم تستفد من الأزمة المالية لفرض خفض حقيقي في حجم الإنفاق العام، ولم تقلص الإنفاق التشغيلي الذي يلتهم نحو 78% من الموازنة، ولم تُحدث تحولاً واضحًا لصالح الإنفاق الاستثماري المنتج".

ولفت إلى أنها "لم توقف التوسع في التوظيف الحكومي رغم تضخم فاتورة الرواتب والالتزامات التقاعدية المستقبلية، ولم تقدم إصلاحًا واسعًا للرواتب والمخصصات والامتيازات أو معالجة واضحة للازدواج الوظيفي والإنفاق الإداري غير الضروري".

وأشار إلى أنها "لم تخفض العجز إلى مستوى أكثر تحفظًا يتناسب مع المخاطر التي تواجه الإيرادات النفطية، ولم تحقق تنويعًا حقيقيًا للإيرادات، فالإيرادات غير النفطية لا تتجاوز 17% من إجمالي الإيرادات".

زياد الهاشمي: المشكلة الأساسية في موازنة 2027 هي أن الحكومة الحالية تحاول أن تتوسع في الإنفاق رغم تدهور الايرادات

وبالنسبة للهاشمي، فإن "المشكلة الأساسية في موازنة 2027 هي أن الحكومة الحالية تحاول أن تتوسع في الإنفاق رغم تدهور الايرادات، لذلك قدمت موازنة تركز بدرجة أكبر في البحث عن موارد مالية من جيب المواطن لتمويل مستوى الإنفاق العالي، دون الاهتمام بخفض حقيقي لحجم هذا الإنفاق وهيكله".

"الدينار العراقي على خطى العملة الإيرانية"

وخاطب الباحث الاقتصادي، عماد عبد اللطيف سالم البنك المركزي ووزارة المالية، بالقول إن "تحديدكم لسعر صرف جديد للدينار مقابل الدولار (للمرّة الثالثة خلال خمس سنوات فقط)، لا يعني أن هناك سياسة نقديّة رصينة، ولا سياسة مالية مُنضَبِطة، وذلك لسببٍ بسيط و هو أنّ هاتين السياستين لم تكونا يومًا جزءًا من سياسة اقتصاديّة عامّة كفوءة، تعمل تدريجيًّا على تفكيك الاختلالات الهيكلية العميقة والمزمنة في الاقتصاد العراقي".

وبيّن أن هذه "اختلالات تراكميّة ومتوارثة منذ عقود، لتأتي الإدارة الاقتصاديّة السيّئة، والسلوك الاقتصادي المُنفَلِت وغير المسؤول في العقدين الأخيرين وتزيدها سوءًا على سوء".

وأضاف سالم: "أنتما تعملان معًا بسياسة ردّ الفعل على عدم قدرة الإيرادات العامة على تغطية النفقات العامّة.. وسياسات كهذه تُعالِج (الظاهرة) ولا تتصدّى لـ (البُنيّة) التي أسّست لهذا الوضع الاقتصادي - المالي المُزري الذي يعيش العراق تداعيّاته الآن".

ورأى سالم أن "هذا السلوك المؤسّسي الذي (يتلاعَب) و(يُراهن) على أداة واحدة للسياسة النقدية (وهو سعر الصرف)، ويحوّلهُ إلى (حلّ سحري) للمأزق الاقتصادي (البنيوي) هو سلوك (انفعالي) لمؤسسات قليلة الحيلة أمام ما تواجههُ من تحديّات".

عماد عبد اللطيف سالم: السلطات تُعالج (الظاهرة) ولا تتصدّى لـ (البُنيّة) التي أسست لهذا الوضع الاقتصادي - المالي المزري الذي يعيش العراق تداعياته الآن

وأكد سالم أن "هذا السلوك السياسي - الانفعالي ليس سلوكًا اقتصاديًّا رشيدًا.. لهذا فإنّهُ سيُفضي بالضرورة إلى زعزعة الاستقرار الهشّ للتعاملات والالتزامات، وإلى تغذية ميول تضخميّة شرِسة، وإلى ترسيخ توقعات تشاؤميّة بالغة السوء في الأنشطة الاقتصاديّة ومجالات العمل كافّة".

وتابع: "أنتما بهذا القرار تعزّزان القناعة لدى الجميع بأنّ سعر صرف الدينار مقابل الدولار سيرتفع باستمرار، وبشكلٍ لا يمكن لكما السيطرةَ عليه، ولا التحكّم فيه، لأنّهُ جاءَ في توقيتٍ سيءِ جدًّا تشحُّ فيهِ العائدات الدولاريّة، وفي ظروفٍ جيوسياسيّة يسودها عدم اليقين لمدّةٍ لا يُمكِنُ التحسُّبَ لتداعياتها بدقّةٍ الآن، ولا يمكِنُ لأيِّ صانعَ سياسةٍ (مهما كانت قدراته) أن يُصمِّمَ سياسات ولا أن يتّخِذَ اجراءات، ولا أن يُصدِرَ قرارات غير انفعاليّة استنادًا لها.

ثُمّ لماذا تمّ تحديد سعر الصرف الجديد بـ 1500 دينار للدولار الأميركي الواحد؟ لماذا ليس 1700، أو 2000 دينار للدولار الواحد؟".

وتسائل سالم أنه "أليس هذا السعر (1500 دينار الآن) يكادُ يكونُ مطابِقًا لسعر حكومة الكاظمي (1450 دينار في عام 2021)، وذلك قبل أن تأتي حكومة السوداني وتقوم بتخفيضه إلى (1300 دينار في عام 2023)؟".

وقال أيضًا: "أنا كاقتصادي مع تغيير سعر الصرف، ولكن على وفق دراسات وحسابات دقيقة وسليمة للأثر والنتائج، وفي ظروف مُستقِرّة أو شبه مُستقِرّة، لا تقلبها الظروف المتغيّرة في المنطقة والعالم (وفي سوق النفط بالذات) رأسًا على عقب في أيّةِ لحظة، بل أنّ احتمالات حدوث تغيّرات وتحوّلات كهذه هي احتمالات واردة ومُمكِنة في أيّةِ لحظةٍ تالية لإتّخاذ قرارٍ كهذا. ماذا ستفعلان اذا حدث ذلك؟ هل ستُغيِّران سعر الصرف من جديد؟ ألا يوجدُ لديكما شيءٌ غير سعر الصرف (والذي تتعاملانِ به كمتغيّر مُستقِلّ، وليس كمتغيّر تابِع لغيرهِ من العوامل الأخرى الأكثر أهميّة، لتعمَلا من خلاله على سِترَ عَورات الخلل في ادارة الأصول والموارد الاقتصاديّة (النقديّة وغير النقديّة) طيلة 23 عامًا؟".

عماد عبد اللطيف سالم: الدينار العراقي على خُطى تدهور الريال الإيراني إذا استمرّت حالة عدم اليقين الحالية

ومضى سالم بتساؤل آخر بالقول: "هل تحوّل هذا التعديل المُتكّرِر لسعر الصرف إلى انجازٍ استثنائي و وحيد للحكومات المتعاقبة، حيثُ لا حلَّ غيره للأزمات، ولا نجاة بدونه من التبعات الكارثيّة للفشل المُستدام؟"، مبينًا أن "الدينار العراقي على خُطى تدهور الريال الايراني إذا استمرّت حالة عدم اليقين الحاليّة بشأن ما يمكن أن يحدث لإمدادات الطاقة في قادم الأيام".

المصدر: ألترا عراق