نبأ العراق
تستعيد الأروقة السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط أحياناً حديثاً متجدداً عن فرص التسوية ومبادرات السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. ويثير التفكيك الهيكلي لسلوك أنقرة الاستراتيجي تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل انعطافة حقيقية نحو تسوية تاريخية، أم أنها إعادة إنتاج لاستراتيجية إدارة النزاع بدلاً من حله بهدف تفكيك البنية الصلبة للطرف الأضعف دون تقديم استحقاقات دستورية ملموسة.
في تحليل الصراعات، تُعرَّف المفاوضات غير المتكافئة بين الحكومات المركزية وحركات التحرر بأنها بيئة عالية المخاطر؛ حيث يميل الطرف الأكثر قوة إلى استخدام العملية السياسية كأداة تكتيكية لتحقيق أهداف أمنية عجز عن فرضها بالقوة. وتتجسد هذه الاستراتيجية التركية عبر تجريد الخصم من عناصر الردع بالإصرار على إلقاء السلاح وتفكيك البنية التنظيمية كشرط مسبق وقاطع، وقلب معادلة المساءلة السياسية لتصدير نفسها كطرف داع للسلام ونقل عبء الفشل إلى الطرف الأضعف، فضلاً عن تفتيت التماس الاجتماعي والسياسي بزرع اليأس والاستنزاف المعنوي.
تتندى هشاشة النموذج السلمي المطروح رسمياً عند مقارنته بالتجارب المعاصرة لحل الصراعات المعقدة؛ إذ يبرز تاريخ التسويات أن السلام المستدام لا يُبنى على الوعود الشفهية بل على معادلة صارمة من الرقابة والضمانات الدولية المتزامنة. فعلى سبيل المثال، في اتفاق الجمعة العظيمة بآيرلندا الشمالية عام 1998، لم يتجه الجيش الجمهوري الآيرلندي نحو تفكيك هيكليته إلا بعد إقرار تعديلات دستورية وقانونية جذرية وإعادة هيكلة أجهزة الأمن تحت مظلة وساطة دولية محايدة. وفي التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا بين عامي 1990 و1994، بدأت العملية بقرارات تنفيذية ملموسة شملت رفع الحظر عن المؤتمر الوطني الأفريقي وإطلاق سراح نيلسون مانديلا ورفاقه بوجود رقابة وضغوط أممية.
منذ نشأة الجمهورية التركية عام 1923، صُممت عقيدة الدولة الأمنية على الركيزة القومية الأحادية ونفي التعددية البنيوية. ويُعاد استخدام مقولة المواطنة والأخوة لتغطية واقع مؤسسي يحظر الممارسة الفعلية للحقوق القومية الأساسية، حيث تتواصل القيود الرسمية على استخدام اللغة الأم في مجالات التعليم والخدمات، ويواجه التمثيل السياسي المستقل للأحزاب الكردية استراتيجية حظر ممنهج وسحب للحصانات البرلمانية وفرض الحراس الحكوميين على البلديات المنتخبة.
على الصعيد الإقليمي، تبدي أنقرة دعماً غير محدود لحماية الحقوق القومية للأقليات ذات الأصول التركية والتركمانية في دول الجوار، بينما تُطبّق مقاربة أمنية متزمتة تجاه ملايين الأكراد داخل حدودها وفي المحيط الإقليمي متجاوزة حدودها لمنع تشكل أي كيان كردي ذي حكم ذاتي. ويعزز هذا النهج نظام دولي قائم على المصالح والبراغماتية الجيوستراتيجية حيث تتغاضى القوى الكبرى والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن السياسات الداخلية لحسابات تتعلق بالتوازنات داخل حلف الناتو والتنسيق في ملفات الطاقة والهجرة.
تؤكد الدروس المستفادة من انهيار مسار السلام السابق بين عامي 2013 و2015 أن بناء تسوية سياسية على النوايا الفردية أو التوازنات الانتخابية المؤقتة يُعد مخاطرة غير محسوبة. فالتحول الحقيقي نحو السلام يستلزم إجراءات بناء ثقة هرمية وملموسة تبدأ بتهيئة البيئة القانونية عبر إطلاق سراح المعتقلين القياديين والسياسيين الكرد، وإلغاء التشريعات المقيدة للنشاط السياسي والحزبي، وتثبيت الحقوق القومية واللغوية عبر تعديلات دستورية ملزمة وتحت إشراف ورعاية دولية محايدة لئلا يظل الحديث عن السلام مناورة تكتيكية.
