تتلاشى المساحات الخضراء وبساتين النخيل التاريخية التي شكّلت لقرون طويلة الرئة الطبيعية للعاصمة بغداد ومحيطها الزراعي، لتتحول تدريجياً إلى غابات خرسانية ومجمعات عشوائية متمددة. وفي الوقت الذي تُعزي فيه الجهات الحكومية والتنفيذية هذا التراجع إلى الظروف الأمنية الناجمة عن الفترات السابقة والانفجار السكاني الذي فرض "واقعاً حالاً"، تدحض البيانات المكانية ومرئيات الأقمار الصناعية وشهادات المنظمات الميدانية هذه التبريرات، مؤكدةً وجود عمليات تجريف وإماتة متعمدة ومستمرة طالت مئات الآلاف من الدوانم الزراعية.

في مقابل هذه الاتهامات، تنفي أمانة بغداد وجود عمليات إماتة متعمدة للأشجار في الوقت الراهن، مسندةً أسباب الظاهرة إلى موروثات سنوات سابقة.

وفي حديث لـ"المدى"، يوضح مدير إعلام أمانة بغداد، عدي الجنديل، الموقف الرسمي قائلاً: "لا توجد في الوقت الحالي أي عمليات إماتة متعمدة للأشجار؛ وما شهدته المناطق الزراعية من أعمال تجريف يعود إلى سنوات سابقة شهدت ضعفاً في الاستقرار الأمني وانتشاراً للجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة في تلك المناطق".

ويؤكد الجنديل اتخاذ إجراءات مشددة لحماية ما تبقى من الأراضي الزراعية، مشيراً إلى أن "مجلس الوزراء أصدر عام 2022 قراراً يمنع البناء في الأراضي الزراعية، وتتولى قوات أمنية ماسكة للأرض منع دخول مواد البناء والحد من التمدد العمراني داخل العاصمة".

وحول تحول أراضٍ وبساتين شاسعة في مناطق حيوية كالدورة والكاظمية والكريعات إلى أحياء سكنية وعشوائية، يبيّن مدير إعلام الأمانة أن "هذه المناطق أصبحت واقعاً حالاً نتيجة ظروف أمنية ضاغطة وأزمة سكن سابقة. أما اليوم، مع استتباب الأمن وتطبيق القانون، فإن أمانة بغداد بالتنسيق مع القوات الأمنية فرضت سيطرتها لمنع استحداث أي مجمعات سكنية جديدة في الأراضي الزراعية".

وفيما يتصل بالموافقات الخاصة بالمشاريع الاستثمارية والمولات التجارية على أراضٍ خضراء، يضيف الجنديل لـ"المدى": "تتولى اللجنة العليا للتصميم الأساس في أمانة بغداد، وتضم مختصين من داخل الأمانة وخارجها، النظر في طلبات تغيير استعمالات الأراضي. وقد أصدر أمين بغداد، المهندس عمار موسى كاظم، توجيهاً صريحاً ومستقراً منذ سنوات يمنع منعاً باتاً تحويل جنس أي أرض مخصصة كحديقة أو متنزه إلى أي فعاليات تجارية أو استثمارية أخرى".

وعن قرار مجلس الوزراء رقم 320 لسنة 2022 القاضي بتحويل جنس 13 منطقة زراعية إلى سكنية، ينفي الجنديل أن يكون القرار مكافأة للمتجاوزين، موضحاً: "الأمانة جهة تنفيذية للقرارات الحكومية العليا؛ والهدف من هذا القرار تنظيم المدن وإدخال الخدمات الأساسية للمواطنين الذين اضطرتهم ظروف أزمة السكن والنمو السكاني إلى البناء في سنوات سابقة، لتحويل هذه التجمعات إلى محلات سكنية منظمة ومعالجة واقعها الخدَمي".

على الجهة المقابلة، تُقدم بيانات مركز نظم المعلومات الجغرافية (GIS) قراءة علمية مختلفة تستند إلى التحليل الطيفي للمرئيات الفضائية للفترة الممتدة بين عامي 2016 و2026، حيث كشفت مديرة المركز، فرح مهدي، عن وثيقة تحليلية حصرية لـ"المدى" تفند الادعاءات القائلة بأن تراجع الغطاء النباتي ناجم عن تبدلات مناخية أو ظروف طبيعية مجردة.

وتتوزع النتائج التحليلية لمرئيات الأقمار الصناعية على أربعة مؤشرات رئيسية

سياسات التجفيف وقطع الإرواء (61,245.30 دونماً): أظهرت المؤشرات الفضائية انهياراً حاداً في مؤشر الرطوبة المائية (NDWI)، مترافقاً مع جفاف شبكات الجداول والقنوات المائية المغذية للبساتين، وهو ما يُعد دليلاً قانونياً على قطع مياه الري المتعمد عن الأشجار لتجفيفها تمهيداً لتغيير جنس العقار.

البصمة الجنائية للحرق والتجريف الفجائي (332.96 دونماً): سجلت الأقمار انخفاضاً عمودياً وسريعاً في مؤشر الغطاء النباتي (NDVI) من مستويات الكثافة عالية الخضرة إلى أدنى المستويات خلال أيام معدودة. وبدمج طيف الأشعة تحت الحمراء القصيرة (SWIR)، تُثبت هذه البيانات وقوع عمليات إبادة ميكانيكية بالآليات الثقيلة وتجريف بالنار، مشكّلةً بصمة جنائية مباشرة.

الموت الطيفي الدائم (24,701.29 دونماً): كشفت مقارنة المنحنيات الموسمية عن انعدام التجدد النباتي الدوري وتحول الدورة الحيوية للأشجار إلى خط مسطح ثابت عند مستويات متدنية طوال العام. وتُسقط هذه النتيجة التبريرات المناخية، إذ تُثبت أن التراجع ليس شحاً مؤقتاً في الأمطار، بل اقتلاع قسري للجذور.

الاتساع الحراري وانهيار التبخر (131,825.91 دونماً): أظهر قياس درجات حرارة سطح الأرض (LST) عبر النطاق الحراري (ST_B10) في ذروة فصل الصيف لمقارنة الفارق الحراري بين عام 2016 والوقت الحالي، ارتفاعاً حرارياً تراوح بين 6 إلى 10 درجات مئوية في المناطق التجريفية مقارنة بعام 2016، نتيجة تحول الأراضي الزراعية إلى جزر حرارية خرسانية، ما أدى إلى تفاقم الموجات الغبارية وزيادة استهلاك الطاقة في العاصمة.

وفي قراءة ميدانية، يرى المدير التنفيذي لـ"منظمة النواعير للتنمية والتدريب"، عبد الله عبد الحميد بديوي، أن عمليات تجريف البساتين وتقسيم الأراضي الزراعية لا تزال قائمة حتى اللحظة ولم تتوقف كما تُروّج الجهات الرسمية.

ويقول بديوي في حديثه لـ"المدى": "إن تجريف وتقسيم الأراضي الزراعية مستمر حتى اليوم؛ إذ يجري تجزئة الدونم الواحد إلى قطع سكنية صغيرة في الأطراف والمناطق الزراعية. وسواء كانت هذه الأراضي تجاوزاً أو عقوداً زراعية أو ملكية طابو، فإن تدني الجدوى الاقتصادية للزراعة بالنسبة للفلاح يدق ناقوس الخطر، حيث بات التقسيم والبيع السريع يحقق أرباحاً مالية طائلة تجعل من خيار التجريف سائداً".

ويضيف بديوي موضحاً الخسائر البيئية والاقتصادية: "هناك إماتة واسعة للمساحات الخضراء، حيث قُضي على الحزام الأخضر وأُبيدت ثروة النخيل التي تشكل عماداً اقتصادياً وبيئياً للمنطقة. ينظر الكثيرون إلى المنفعة المادية الآنية دون مراعاة للكوارث المستقبلية، وسط وجود أطراف متعددة تجني أرباحاً من هذه العمليات على حساب الموارد الطبيعية".

يشدد المدير التنفيذي لمنظمة النواعير على أن "الحل الحكومي الصحيح لأزمة السكن لا يتم عبر منح التسهيلات للمتنفعين من تجريف البساتين أو تسوية العقود الساقطة، بل عبر استصلاح الأراضي الصحراوية غير الصالحة للزراعة وتوزيعها، أو التوجه نحو البناء العمودي. وما يحدث حالياً ليس حلاً سكنياً بل تدمير مباشر وممنهج للبيئة".

ويؤكد بديوي أن مؤسسات المجتمع المدني والنشطاء لا يمتلكون القدرة التنفيذية للوقوف بوجه المتاجرين بالأراضي والكتل البلدية، مشيراً إلى أن "إيقاف النزيف الزراعي يحتاج إلى قوة قانونية وحكومية حازمة تفرض هيبتها على الأرض لترسيخ الحماية للغابات والأشجار".

ويختتم بديوي حديثه لـ"المدى" بالوقوف عند الأسباب الهيكلية التي تدفع المواطنين للشراء في الأراضي الزراعية، كاشفاً عن خلل التخطيط الخدمي: "هناك أسباب جوهرية تجبر المواطنين على الذهاب نحو الأراضي الزراعية؛ فعلى سبيل المثال، هناك أحياء مخصصة رسمياً منذ نحو 35 عاماً، مثل الحي العسكري المحاذي لمدينة هيت، وعلى الرغم من أن أراضيه صالحة ومفرزة رسمياً، إلا أنه يفتقر إلى جميع أشكال الخدمات الأساسية بنسبة صفر بالمئة.

هذا الجفاف الخدمي أجبر السكان على ترك المخططات الرسمية والتوجه نحو حافات الأنهار والأراضي الزراعية المتوفرة على المياه والكهرباء، ليشتري المواطنون قطعاً يجري تجريفها وتبنى فيها أحياء واسعة.

المصدر: المدى