لا تكمن أزمة العراق في كثرة الأحزاب السياسية بحد ذاتها، فالتعددية الحزبية جزء أساسي من أي نظام ديمقراطي، وإنما تكمن في تحول قسم كبير من العمل الحزبي إلى وسيلة للوصول إلى السلطة والنفوذ والموارد، بعيداً عن البرامج السياسية الحقيقية والمنافسة الديمقراطية القائمة على خدمة المواطن والمصلحة الوطنية.

فالعراق يضم اليوم أكثر من (340) حزباً سياسياً مجازاً، وفق بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، إلا أن التأثير السياسي الفعلي يتركز في عدد محدود من القوى والتحالفات الرئيسية. وهذا التضخم الكبير في عدد الأحزاب لا يعكس بالضرورة تعددية سياسية حقيقية، بقدر ما يكشف في جانب منه سهولة تأسيس الكيانات السياسية وتكاثرها، ولا سيما مع اقتراب كل استحقاق انتخابي.

والأخطر من ذلك هو استمرار العلاقة بين العمل السياسي والسلاح لدى بعض القوى. فالدستور العراقي واضح في هذا المجال؛ إذ تنص المادة التاسعة على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية، وعدم تدخلها في السياسة، وتحظر صراحة تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. كما ينص قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015 على ألا يتخذ الحزب شكلاً عسكرياً أو شبه عسكري، وألا يرتبط بأي قوة مسلحة. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: النصوص القانونية موجودة، لكن المشكلة في تطبيقها.

فقد دخلت قوى سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة إلى البرلمان والحكومة، واستطاعت بعض هذه القوى تحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي. وتشير تحليلات الانتخابات البرلمانية لعام 2025 إلى استمرار الحضور الكبير للأجنحة السياسية المرتبطة بفصائل مسلحة؛ إذ ارتفع مجموع مقاعد بدر وعصائب أهل الحق إلى 45 مقعداً، وحصلت كتائب حزب الله على 6 مقاعد، فيما دخلت كتائب الإمام علي البرلمان بخمسة مقاعد.

وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد وجود أحزاب سياسية ضعيفة البرامج، بل أصبحت مرتبطة بتداخل ثلاثة أنواع من النفوذ: النفوذ السياسي، والنفوذ الاقتصادي، والنفوذ المسلح. وعندما تجتمع هذه العناصر داخل جهة واحدة، تصبح المنافسة السياسية غير متكافئة، ويصبح إصلاح النظام السياسي أكثر تعقيداً.

أما من الناحية المالية، فقد وضع قانون الأحزاب السياسية إطاراً واضحاً لمصادر تمويل الأحزاب، وحددها باشتراكات الأعضاء، والتبرعات والمنح الداخلية، وعوائد استثمار الأموال وفق القانون، والإعانات المالية من الموازنة العامة للدولة. كما ألزم الأحزاب بمسك سجلات مالية منتظمة، وإعداد تقرير سنوي بالحسابات من مكتب محاسب قانوني ورفعه إلى ديوان الرقابة المالية، الذي يرفع بدوره تقريراً ختامياً عن الأوضاع المالية للأحزاب إلى مجلسي النواب والوزراء ودائرة الأحزاب. ويحظر القانون كذلك التبرعات الأجنبية.

كما يحظر القانون على الأحزاب استغلال الوظيفة العامة والمؤسسات العامة لتحقيق مكاسب حزبية، ويمنع التنظيم والاستقطاب الحزبي داخل الجيش وقوى الأمن الداخلي والقضاء والهيئات المستقلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه النصوص واضحة، فلماذا لم تتحول إلى واقع سياسي؟

هنا تكمن المشكلة الحقيقية في النظام السياسي العراقي: ضعف إنفاذ القانون أمام القوى السياسية المتنفذة، وتداخل الحزب مع مؤسسات الدولة، وتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة للحصول على الموارد والعقود والمناصب، ثم استخدام تلك الموارد في إعادة إنتاج النفوذ السياسي في كل دورة انتخابية.

ولهذا يمكن القول إن بعض الأحزاب المتنفذة تحولت، في الممارسة، من مؤسسات يفترض أن تتنافس على البرامج والسياسات إلى ما يشبه دكاكين سياسية هدفها الأساسي المحافظة على النفوذ والوصول إلى المناصب والاستفادة من موارد الدولة. فالحزب الذي لا يقدم برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً، ولا يخضع قياداته للمساءلة الداخلية، ولا يكشف مصادر تمويله بصورة شفافة، ولا يحترم حياد مؤسسات الدولة، يفقد جوهره كحزب سياسي ويتحول إلى أداة للمصالح الخاصة.

والأخطر أن بعض القوى السياسية المتنفذة لا تكتفي بالحصول على المقاعد البرلمانية والمناصب الحكومية، وإنما تمتلك شبكات اقتصادية ومؤسسات ومكاتب ومصالح مرتبطة بالنفوذ السياسي. ومع وجود أجنحة مسلحة لدى بعض هذه القوى، تتشكل بنية نفوذ تتجاوز مفهوم الحزب السياسي التقليدي إلى ما يشبه الدولة العميقة التي تمتد داخل مفاصل سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة.

كما أن ظاهرة ولادة كيانات وتحالفات جديدة قبيل الانتخابات أصبحت وسيلة لإعادة إنتاج القوى نفسها بأسماء مختلفة، بحيث لا يكون تغيير الاسم أو التحالف تغييراً حقيقياً في طبيعة السلطة. وفي مثل هذه البيئة، يمكن أن تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة تدوير النخب نفسها بدلاً من أن تكون وسيلة لتجديد الطبقة السياسية.

ولا يمكن تجاهل أن الديمقراطية لا تعني الانتخابات وحدها. فالانتخابات جزء من منظومة أكبر تشمل سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، واستقلال المؤسسات، وشفافية التمويل السياسي، والتداول السلمي للسلطة. ولذلك فإن قبول نتائج الانتخابات مع إضعاف هذه المبادئ يحول الديمقراطية إلى ممارسة شكلية تفتقد مضمونها الحقيقي.

ومن هنا، فإن استعراض السلاح من قبل قوى مرتبطة سياسياً بأحزاب، أو حدوث احتكاكات بين تشكيلات مسلحة والقوات النظامية، لا يمثل مجرد مشكلة أمنية منفصلة عن السياسة، بل يكشف عن خلل جوهري في بنية الدولة نفسها: من يملك السلاح خارج إطار الدولة يستطيع أن يفرض نفوذاً يتجاوز ما تمنحه له صناديق الاقتراع.

لذلك فإن إصلاح النظام السياسي العراقي يبدأ من إصلاح البيئة الحزبية نفسها. فلا يمكن بناء حكومة قوية ومتجانسة وفعالة في ظل أحزاب متداخلة مع المال السياسي والسلاح والنفوذ الخارجي ومؤسسات الدولة.

إن المشكلة ليست في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، وإنما في غياب حزب سياسي مؤسسي حقيقي مقابل تضخم كيانات سياسية تستخدم الانتخابات للوصول إلى السلطة، ثم تستخدم السلطة لإعادة إنتاج نفوذها.

والتغيير الحقيقي لا يتحقق بمجرد تبديل الأسماء والتحالفات، بل يحتاج إلى بناء نظام سياسي يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، وشفافية التمويل السياسي، واستقلال المؤسسات، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وفصل الدين عن إدارة الدولة، واختيار الكفاءات الوطنية بعيداً عن التبعية لأي جهة خارجية.

فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من الدكاكين السياسية، بل يحتاج إلى مؤسسات سياسية وطنية حقيقية تتنافس بالبرامج والكفاءة، وتخضع للمساءلة، وتحترم الدولة، وتضع مصلحة العراق والمواطن فوق مصالح الحزب والزعيم.

المصدر: كتابات