نبأ العراق
تتزين المعاملات العقارية والقسامات الشرعية الصادرة عن دوائر الكتاب العدول ومحاكم الأحوال الشخصية بختم الدولة ومظاهر الرضا الظاهري، لكن خلف هذه الشكليات القانونية تظهر واحدة من أعقد صور تجريد النساء من حقوقهن في الميراث، إذ تتحول الوكالات العامة الشاملة وحجج التخارج، في بعض الحالات، إلى أدوات قانونية في ظاهرها، تُستخدم لسلب المرأة حصتها تحت ضغط العرف العشائري والإكراه المعنوي والتضليل.
ولا يمثل سلب الميراث، وفق ما تكشفه الشهادات، سلوكاً فردياً مرتبطاً بالطمع المالي فقط، إذ تحيط به ثقافة عرفية تعيد تعريف مفهوم «الملكية» خارج قواعد القانون والشرع. وفي بعض البيئات العشائرية، يجري التعامل مع انتقال حصة المرأة من الأرض أو العقار بوصفه انتقالاً محتملاً لجزء من ممتلكات الأسرة إلى زوجها، ولا سيما إذا كان من عشيرة أخرى، ما يجعل الأراضي والعقارات تحديداً في قلب النزاع على الميراث.
يقول حسنين (36 عاماً) من العمارة: «يقول لي أبناء عمي الذين هم أكبر مني سناً: تخيل أننا ولدنا هنا ونعيش في هذه الأرض، ومنذ صغرنا نزرع ونحصد، فبأي حق يأخذ زوج أختي أرضي التي نشأت فيها؟ فالأمر قد لا يكون استصغاراً للفتاة بقدر ما هو انزعاج من قدوم الصهر، خصوصاً إذا كان غريباً، ليأخذ الأرض... أنت تعرف طبيعة مجتمعنا، فلمن يزوجون أبناءهم؟ المظلومة كأخت، حين يُعطونها حقها، سيأخذه زوجها... فالأمر يُشبَّه بتحدي نفوذ بين الرجال... لذلك رأيت أن الأغلبية لا مشكلة لديها في إخراج حصص أخواتهم كأموال ومبالغ بخسة بالطبع، لكن من سابع المستحيلات أن يسمحوا للغريب (الصهر) بأن يأتي وتصبح له حصة ويشاركهم في الماء والتقسيم وتلك الأمور».
وبحسب الأستاذ في علم الاجتماع بجامعة واسط، الدكتور محمد الساعدي، فإن هذه الشهادة تختزل ثلاث ميكانيزمات اجتماعية تشرعن الحرمان وتنزع عنه الصفة الجرمية.
ويقول الساعدي: «تُمارس البنية العشائرية عملية تجريد من الأهلية بحق المرأة؛ إذ لا يُنظر إليها بصفتها مالكة مستقلة لذاتها، بل كـ"معبر لوجستي" يتسلل عبره رجل من عشيرة أخرى. ينقل هذا الاختزال القضية من حق امرأة في تركة أبيها إلى صراع نفوذ ورجولة بين معسكر الأبناء ومعسكر النسيب».
وإذا كان العرف العشائري يوفر الغطاء الاجتماعي لحرمان النساء، فإن الوكالة العامة الشاملة تصبح، في حالات أخرى، الأداة الإجرائية التي تحول ذلك إلى واقع فعلي. ولا يجري السلب دائماً عبر العنف المباشر، إذ يمكن للإكراه المعنوي والروابط الأسرية والجهل بالآثار القانونية للوكالة أن تدفع المرأة إلى منح قريب لها صلاحيات واسعة على ممتلكاتها وحقوقها.
تقول ليلى (29 عاماً) من محافظة واسط: «بعد أن أصبح لنا ميراث وراتب، طمع أخي الأكبر فيهما، وبعد مطالبتنا بحصتنا تظاهر أمامنا بأنه مدين فسكتنا، وبعد مرور عدة سنوات خططوا لشراء منزل بأموالنا على أن نرث فيه، لكننا تفاجأنا في المحكمة بأننا أعطينا وكالة كاملة لأخي في كل ما نرثه، كما أن أمي وكلته على كل شيء يخصنا، وما زلنا في هذا الصراع والخلافات والوعود الكاذبة، وما زلنا محرومين من حلالنا».
وتظهر شهادات أخرى نمطاً يقوم على استغلال المرض أو ضعف المعيل الأكبر في العائلة للحصول على تنازلات تعيد تشكيل التركة قبل توزيعها، مستفيدة من الثقة العائلية والضغط المعنوي.
وتنقل نجاة (33 عاماً) من محافظة النجف حكاية والدتها قائلة: «كان الأب (جدي) قد أوصى بالمتاجر للبنات... لكن دون أن يثبت وصيته بأوراق، بل كانت مجرد وصية شفهية، فعندما مرض وتوفي إثر مرضه، أحضر ابنه ورقة تنازل عن جميع الأملاك باسمه وجعل أخواته يبصمن عليها، وهو حتى الآن يعيش في نعيم الميراث».
ولا تجري هذه العمليات، بحسب الشهادات الواردة في المادة، بالقوة المباشرة في جميع الحالات، إذ تدخل أساليب الاحتيال والتضليل الإجرائي عاملاً إضافياً. وتفتقر نساء كثيرات إلى معرفة كافية بالفروق بين أنواع الوكالات القانونية وآثارها المستقبلية، وقد يُطلب منهن تنظيم وكالات عامة تحت ذريعة تسهيل المعاملات الروتينية، رغم إمكان تنظيم وكالات خاصة للبيع أو للتصرف المحدد.
ويظهر هذا النمط، وفق المادة، بصورة واضحة في المناطق الريفية. فعلى سبيل المثال، وأثناء صرف تعويضات الفلاحين للمواسم 2021-2022، تعرضت نساء للإكراه والتضليل واستُحصلت منهن وكالات عامة لسلب مستحقاتهن، حتى باتت دوائر الكتاب العدول تشهد أزمات يومية جراء هذه المعاملات. وتشير المادة كذلك إلى حالات تنطوي على تواطؤ مباشر مع كاتب العدل والتغاضي عن إفهام المرأة مضمون التنازل وآثاره.
ولا تقف الخطورة الإجرائية عند حدود الوكالات العامة الشاملة، التي تبقى، رغم اتساع نطاقها، إنابة قانونية، إذ تظهر أداة قضائية أكثر حسماً تصدر من محاكم الأحوال الشخصية تُعرف بـ«حجة التخارج».
ويقول المحامي في محكمة الديوانية علاء جاسب: «إنهم يستدرجون النساء ويجرون لهن (حجة تخارج) تصدر من محكمة الأحوال الشخصية... ليخرجوهن بشكل نهائي من القسام الشرعي. فعلى سبيل المثال، هناك آباء يمتلكون عقارات كثيرة، ولكن ما تعرفه الوارثات (البنات) هو 4 عقارات فقط. فيأتي أحد الورثة ويتفق مع البنات ويعطيهن ثمن الـ4 عقارات ويجري لهن حجة تخارج، فيخرجهن من القسام الشرعي... أي إذا ظهر أي شيء جديد في المستقبل فليس لهن حق فيه بعد الآن؛ فهذا العقد أقوى، إذ إن الوكالة يمكن من خلالها الرجوع على من باع وأخذ التعويض، بينما حجة التخارج تُنهي الأمر تماماً... فالعقد يصدر من المحكمة ويقطع الحق نهائياً».
ويضمن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 للنساء حصصاً إرثية محددة، ويتيح تصحيح القسام الشرعي ورفع دعاوى بطلان التصرفات، إلا أن التطبيق العملي، بحسب ما تطرحه المادة، يواجه عقبات إجرائية وتشريعية.
وفي مقدمة هذه العقبات غياب نص عقابي مباشر، إذ يفتقر قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 إلى نص صريح يجرم حرمان المرأة من الميراث أو الامتناع عن تسليم حصتها الإرثية، خلافاً لتشريعات مقارنة أفردت عقوبات جزائية لمثل هذه الأفعال.
وتبرز كذلك مشكلة قصور آليات الإفهام العدلي، إذ تشير المادة إلى أن التطبيق الميداني لقانون الكتاب العدول رقم 33 لسنة 1998 قد يكتفي في بعض الحالات بالإجراءات الشكلية، من دون ضمان الإفهام الشفهي الواضح للمرأة بتبعات الوكالة العامة الشاملة والتحقق بصورة كافية من قيام الرضا الحر.
وتضاف إلى ذلك عقبات الإثبات والقطيعة الاجتماعية، إذ تجعل صعوبة إثبات الإكراه المعنوي، والخوف من القطيعة الأسرية، إلى جانب الكلفة القضائية، لجوء النساء إلى المحاكم للطعن في حالات الاستغلال أو الغبن الفاحش الناجم عن إخفاء أصول التركة مساراً بالغ التعقيد.
ولا تقف آثار الوكالة العامة أو حجة التخارج المنتزعة تحت الضغط عند حدود الحرمان المالي، إذ تمتد إلى العلاقات داخل الأسرة، وتنتقل مشاعر المظلومية في بعض الحالات من الأمهات إلى البنات. وبينما تُغلق ملفات التركة قضائياً بعد توقيع المحرر العدلي أو صدور حجة التخارج، تستمر تداعيات النزاع داخل البيوت لسنوات.
وتتجلى قسوة الأزمة عندما تجد المرأة نفسها أمام نزاع قضائي معقد ومكلف قد يفضي إلى قطيعة أسرية، أو أمام القبول بخسارة حصتها حفاظاً على ما تبقى من العلاقات العائلية. وفي حالات وثقتها المادة، تنتهي هذه الرحلة برحيل أمهات وهن غير مبرئات للذمة، تاركات لأبنائهن إرثاً مضاعفاً من الشعور بالظلم والخذلان.
باسم القانون والقسام الشرعي.. كيف تتحول حصص النساء في الميراث إلى تنازلات قسرية؟
وكالات عامة وحجج تخارج تمنح المعاملات غطاء قانونياً
نشر في: 5 أكتوبر, 2026: 12:10 ص
المصدر: المدى
